بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية


 

            رأي في مشروع قانون الاحزاب السياسية في العراق

                           محاضرة القيت في لندن بتاريخ 12-08-2011
 

الدكتور رياض عبد عيسى الزهيري
استاذ القانون العام – كلية القانون – جامعة بغداد
riadhaessa@hotmail.com

 

   لايمكن الحديث عن نظام ديمقراطي في العراق مالم يستكمل الدستور العراقي لسنة 2005 بجملة من القوانين الاساسية التي تنظم الحياة السياسية في العراق ،فالدستور هو مجموعة قواعد عامة بحاجة الى قواعد قانونية تفصيلية تتناول جانبا محددا من جوانب تنظيم السلطة السياسية ، فقد نص هذا الدستور في المادة 39 منه على حق العراقيين في تشكيل احزاب سياسية وضمن حرية الانتماء والانسحاب منها ، غير ان هذه القاعدة الدستورية بحاجة الى قانون يحدد بصورة تفصيلية اجراءات التأسيس وحقوق والتزامات الاحزاب وطرق عملها ووسائل تحقيق برامجها وطرق تمويلها وعلاقات بعضها بالبعض الاخر . لذلك كان من الضروري ان يصدر قانون الاحزاب والقوانين الاساسية الاخرى بعد صدور الدستور العراقي مباشرة حتى يمكن ان تنتظم  الحياة السياسية ويتم تسريع  عملية التحوّل الديمقراطي في العراق. لكن نجد – للأسف – ان السياسة التشريعية في العراق لاتسير على هذا النحو وانما هي سياسة تعمد الى البطء والتأخير والمماطلة ، كما ليس لديها رؤيا واضحة في هذا المجال وكأنها سياسة مقصودة لخلق بيئة سياسية مضطربة  ، يضاف الى ذلك ان هذه السياسة التشريعية لاتبحث عن قواعد قانونية واضحة وسليمة في مجال حريات وحقوق الانسان العراقي وانما يجهد مشرعنا العراقي نفسه ويفكر مسبقا  بالبحث عن كمية القيود والمعوقات التي يجب وضعها في هذا القانون او ذاك  الذي يتناول هذه الحريات العامة بحيث يصل الامر الى حد تقييد جوهر الحق او الحرية العامة على خلاف المادة 46 من الدستور العراقي . ولم يشذ هذا المشرع عن هذه السياسة في مشروع قانون الاحزاب السياسية الذي نتناوله في هذه الندوة .

        ان هذا المشروع تضمن مجموعة من القواعد التي تنظم الحياة الحزبية في العراق ، وحدد اجراءات تكوين الاحزاب وحرية الانتماء والانسحاب من الحزب كما بيّن التزامات وحقوق هذه الاحزاب وطرق تمويلها  وطرق انقضائها ، واشار الى بعض الضمانات القانونية والقضائية في ممارسة الحزب لنشاطه السياسي في اطار احكام الدستور والقانون .

  وعلى الرغم من أهمية هذا المشروع في العراق فأنه تضمن بعض القواعد القانونية الخطيرة التي نرى انها معوقات جدية يمكن ان تهدد مستقبل العمل الحزبي في العراق . وفي هذا المجال اشير الى بعض هذه القواعد التي ارى وجوب اعادة صياغتها بالشكل الذي ينسجم مع جوهر حرية تكوين الاحزاب السياسية . وسأحاول ابداء الرأي بحسب تسلسل مواد هذا المشروع :

 

المادة (5)                                                                                           

اولا: يؤسس الحزب على اساس المواطنة وبما لايتعارض مع احكام الدستور

ثانيا: لايجوز تأسيس الحزب على اساس العنصرية او الارهاب او التكفير او التعصب الطائفي او العرقي او القومي.

  ان منطق هذه المادة يوحي بوجود التناقض بين اولا وثانيا ، فالمشروع يوجب تأسيس الحزب على اساس المواطنة بينما

يؤكد – بمفهوم المخالفة -  في الفقرة ثانيا على انه يمكن تأسيس الاحزاب على اساس ديني او طائفي او عرقي او قومي اذا

لم يكن هذا الحزب متعصبا . ولانعرف كيف يمكن ان يكون الحزب غير متعصب وهو قد تأسس على اساس الطائفة او العرق

او الدين او القومية . وللتأكيد على هذا التوجه هو ان هذا المشرع أجاز للأقليات تأسيس احزاب على اساس عرقي ( المادة 11

- اولا- ب).

 المادة (8)  يشترط لتأسيس او استمرار اي حزب مايأتي:

اولا: عدم تعارض مبادئ الحزب او اهدافه او برامجه في ممارسة نشاطه مع:

أ ـ احكام الدستور ب ـ مبادئ حقوق الانسان ج ـ مبدأ الوحدة الوطنية

أن هذا النص يتعامل مع الحزب وكأنه جهاز من اجهزة الدولة  وليس كتنظيم سياسي مستقل له اهدافه وبرامجه الخاصة به .

 فالحزب قد يهدف – وطبقا للشرعية الدستورية – تغيير وتعديل احكام الدستور  كما لو ان هذا الحزب يهدف الى تعديل النظام

البرلماني الى نظام رئاسي او تغيير طبيعة النظام الاقتصادي العراقي . لذلك كان الاولى النص على التزام الحزب بالمبادئ

الاساسية  للدستور في ممارسة نشاطه السياسي  بدلا من الصياغة الحالية . كما يتطلب الامر كذلك اعادة النظر ب ( مبدأ

الوحدة الوطنية ) وتحديد طبيعة هذا المبدأ  لأنه مفهوم سياسي وليس مفهوما حقوقيا .

المادة 8-رابعا: ان لايكون من بين مؤسسي الحزب او قياداته او اعضائه من ثبت بحكم بات قيامه بالدعوة او المشاركة

للترويج باية طريقة من طرق العلانية لافكار تتعارض مع المبادئ العامة المنصوص عليها في الدستور.

     أن الدستور العراقي لم يتحدث عن المبادئ العامة للدستور وانما تكلم في الباب الاول منه عن ( المبادئ الأساسية ) ، كما

ان الدستور ضمن للمواطن حرية التفكير ونشر افكاره بما يتوافق مع القانون فلماذا يحرم من المشاركة في تأسيس الحزب .

ان هذا النص يعتبر بمثابة نص جنائي يؤسس لعقوبة جنائية تتعارض مع ماورد من احكام تتعلق بحقوق وحريات المواطن .

المادة (9)

يشترط فيمن يؤسس حزبا ان يكون ثانيا: اكمل الخامسة والعشرين من العمر ومتمتعا بالاهلية القانونية.

أن تحديد السن ب 25 سنة سيكون قيدا مؤلما لفئة الشباب التي تتسلح بالعلم والتكنوجيا الحديثة ، وكنا نأمل ان لايسير هذا

القانون بذات الاتجاه الذي تم فيه استبعاد الشباب من الترشح لعضوية البرلمان ومجالس المحافظات . لذا يصبح من

الضروري تخفيض هذه السن الى 21 سنة .

المادة (11)

يشترط لتأسيس اي حزب مراعاة مايأتي:

اولا: أ ـ يقدم طلب التأسيس تحريريا الى رئيس محكمة القضاء الاداري في بغداد مرفق به قائمة باسماء عدد لا يقل عن

(2000) الفي عضو مؤسس مقيمين في (6) ست محافظات عراقية على ان لا يقل عدد المؤسسين عن (100) مائة عضو في

كل محافظة من هذه المحافظات.

  ان هذا النص سيحرم عدد كبير من الاحزاب الناشئة  وأن صياغته  واشتراطه التواجد في ستة محافظات سيخلق أزمة

سياسية مع تلك الاحزاب التي تأسست على اساس جغرافي او قومي . انه نص يوحي بأنه فصل على مقاس بعض الاحزاب

المتنفذة حاليا .

المادة 12 ومابعدها : أشارت هذه المادة ومايليها  الى اجراءات التأسيس  وبعض الاحكام المتعلقة بها ، حيث اوجبت نشر

اسماء المؤسسين للحزب وفي مواقع اخرى الزم المشرع الحزب بتسليم اسماء اعضاء الحزب الى دائرة الاحزاب بوزارة

العدل ،  ونشر اسماء المتبرعين للحزب .

 ان هذا الالزام القانوني يشكل سابقة خطيرة تهدد أمن الاحزاب السياسية في العراق  كما سيؤدي الى خلق حالة من الذعر

والخوف لدى المواطنين في حال انتمائهم للاحزاب . كما ان هذا التوجه الخطير قد يربك العمل الحزبي في العراق .

 

المادة (19)

اولا: تستحدث دائرة تسمى (دائرة شؤون الاحزاب السياسية) ضمن الهيكل التنظيمي لوزارة العدل يرأسها موظف بدرجة مدير

عام من ذوي الخبرة والاختصاص حاصلا على شهادة عليا في القانون او العلوم السياسية وتضم عددا كافيا من الموظفين.

  نعتقد ان تشكيل مثل هذه الدائرة وارتباطها اداريا بوزارة العدل ( السلطة التنفيذية ) سوف لايخلق بيئة سياسية سليمة  ،

خاصة وان مشروع القانون منحها صلاحيات خطيرة في متابعة ورصد عمل الاحزاب  كما انها تستطيع ان تلاحق الاحزاب

قضائيا . لذلك نؤكد على ضرورة التفكير بأستقلالية الهيئة المشرفة على الاحزاب  عن السلطة التنفيذية ونرى ان تكون هيئة

دستورية مستقلة  استنادا الى المادة 108 من الدستور وان تخضع الى رقابة مجلس النواب فقط  وخضوع قرارتها الى

الرقابة القضائية .

تمويل الدولة للاحزاب :

  ان تمويل الاحزاب من قبل الدولة ووفقا للطريقة التي اقترحها مشروع القانون سيؤدي الى خلق حالة جديدة في العراق هي

حالة الاحزاب الوهمية واحزاب تجارية ، كما قد يؤدي الى تبعية حتمية الى السلطة الحاكمة التي تتحكم في توزيع اعاناتها

المالية ، والى عقد الصفقات السياسية التي تغيّب فيها المصلحة العامة ومصلحة المواطن كما انها وسيلة للأبتزاز و لعرقلة

عمل بعض الاحزاب التي قد يكون لها موقف معارض للسلطة الحاكمة . لذلك نرى ضرورة استبعاد هذا النوع من التمويل .

الاحكام الجنائية:

ان مشروع القانون لم يأخذ بمبدأ التدرج في فرض بعض العقوبات على الاحزاب اذا ماخالفت هذا القانون  كالانذار والغرامة

المالية والايقاف المؤقت قبل فرض عقوبة حل الحزب الذي يرتكب المخالفة . كما ان هذا المشروع لم يميّز بين الحزب

كشخص معنوي واعضاء الحزب كأشخاص طبيعية في مجال فرض العقوبات الجنائية . وفي ذات الوقت قرر هذا المشروع

بأنه في حالة وجود عقوبة جنائية أشد في القوانين الاخرى فأن هذه العقوبة الأشد هي التي ستطبق . ان مثل هذا الوضع

خطير جدا لأن قانون العقوبات العراقي لسنة 1969 تضمن العديد من العقوبات الجنائية التي تصل الى حد الاعدام في قضايا

النشر والاعلام والصحافة والترويج لافكار معارضة للسلطة الحاكمة وادخلها ضمن جرائم النشر والجرائم الماسة بأمن

الدولي الخارجي او الداخلي . لذلك كان الاولى بالمشرع ان يضع نصا واضحا  بتطبيق العقوبة الاقل في حالة مخالفة قانون

الاحزاب ، كما يجب وضع نص صريح يؤكد فيه انه لايجوز تطبيق اي قانون يتعارض مع قانون الاحزاب ، علاوة على تأكيدنا

بضرورة اعادة النظر في قانون العقوبات العراقي التي تتناقض نصوصه مع اهداف قانون الاحزاب والحياة الديمقراطية . .

 

riadhaessa@hotmail.com