بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية


 

 في ذي قا ر....

                       قلعة سكر مدينة فقدت ابتسامتها !!                

 

   في السنين العجاف   .. حيث الفقر والجهل والرتابة وواردات حكومية  قليلة برغم  كل هذه السلبيات كانت قلعة سكر مدينة جميلة تعانق نهر الغراف عارية تغفو على ذراعيه وتفترش رمال شاطئيه أمنة مطمئنة ..وهي ليس كالعاريات اللواتي يثير عريهن القرف والقيىء وانما عري حواء وآدم في جنة الله الوارفة الظلال قبل  ان يقترفا العصيان ويطردا من الجنة.

    في فجرها الخلاب تغتسل بمياه نهر عشيقها ..ثم تتمدد على شواطئه حورية عذراء ترش الشمس عليها اشعتها الصباحية الناعسة من بين سعفات النخيل  فيتلون جسدها بالسمرة الجنوبيةالاخاذة .. وفي المساء تبقى عيناها ( غابتا نخيل  ) او( شرفتان ) لاينأى عنهما القمر.

   وفي كل صباح يتفقدها ابناؤها ورعاتها.. هل استيقظت من غفوتها ونزلت من سريرها الرملي غضة سليمة؟ أم اصاب كيانها شيىء يصيب ابناءها بشرور لاتحمد عقباها ؟.. يتفقدون جدائلها بحنان..هل غيرت عاديات الايام لونها  فأحالته إلى مشيب كئيب موحش  كعجوز فقدت نضارتها ؟ وهنا يتوجب عليهم ان يضمخوها ثانية بالحناء لتظل دائما جميلة نضرة في قوامها وهندامها .أم هي..هي كما عهدوها حضنا دافئا لأ م رؤوم؟ وحينذاك يطمأنون ان جمالها مازال قدسيا لايحتاج إلى رتوش خادعة تخفي اخاديد الزمن بقناع مؤقت لذلك كانت للشمس فيها اجمل شروق ..واجمل غروب.اننا لانريد ان نتحايل على انفسنا ونجعل من المدينة وكأنها (فينيسيا ) او( نيس  ) ولكنها في الواقع مدينة نشأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من بيوت طينية ولكن فيها شيئا من التناسق تحيط بها حدائق النخيل والرمان بكثافة وفي جانبها الغربي يتلوى نهر الغراف بغنج فتبدو المدينة وكأنها حديقة كبيرة تسر الناظر وتبهج النفوس  لذلك عندما نشأ الحكم الوطني في العشرينات من القرن العشرين جعلوا درجتها الادارية قضاء بسبب هذا الجمال الذي جعل اذواقهم الرفيعة تنبهر له فقدروه حق تقدير وهم اصحاب الحجا والحس الجميل بالرغم من قلة سكانها لاسيما اذا علمنا انهم بلغوا في تعداد عام 1947 (4806) نسمة.

      في مدينتا رجل ...

 

               كان الناس عائلة واحدة غذتهم المدينة بروحهاوعطائها فصاروا بنعمتها اخوانا يدرأون عن بعضهم تكاليف الحياة.. وكان في المدينة رجل اودعته زعامتها وارتضته لها ابا وشيخا ومرجعا لاوجاعها.. انه المرحوم ( سعدون ياسين المشلب) شيخ قبائل الحميد الذي خلف اباه في مشيخته التي امتدت تقريبا من (1921 \ 1942)  فكان نعم الخلف لاحسن  سلف.      

      ربما يعتقد االبعض ان ذلك هوية قديمة مضى الزمان بها القهقرى او نكوصا إلى عهود الجهل والعصبيات التي تجر بحبالها الغليظة المجتمع عن مرافىء الحضارة الانسانية فتحنطه بسخام ماضي انقضى واصبح خارج  رحم الزمن ..لكن هذا الرجل لايمكن تصنيفه ضمن هذه الحسابات فهوللعدالة ادعا وللحق اميل فكان يقطب الجروح التي يحدثها التهوروالانفعال قبل ان تصبح نزيفا تنز فيه الدماء وبحنكة وكياسة يعالج القضايا التي لاتغتفر اجتماعيا قبل ان يبرز عفنها على السطح بكتمان شديد لايطلع عليه حتى اقرب المقربين اليه فيرمم الثلمات ويعيد الامور إلى مجاريها دون تفريط بحق اومساس بشرع وهو لايتوانى ان يعطي الحق للغريب ويقيم الحكم على القريب لابل هومتكأ للغريب الذي لا احد له في المدينة فيحيطه بعطفه ورعايته لآنه لم يصنف الناس إلى اسماء كبيرة وبارزة واخرىتآكلت حروفهاوغرقت في الظلام فلم يرها احد ، وانما الجميع بنظره ابناء مدينة واحدة لافروق بينهم ،فهو لم يعبأ بـ ( بقانون الخيمة ) بقدر مايحرص على سلامة التعاشر الاجتماعي.

              ونتيجة لهذا الموقف حرص الذين تسول لهم انفسهم العبث بالخطوط الاجتماعية الحمراء للمدينة المحافظة على السلوك العام لانهم يدركون ان وجودهم يصبح (عثا) غير مرغوب فيه في نسيج المدينة اذا   تمردواعلى ما اصطلح عليه الناس وحينذاك يتعرضون إلى غضب الشيخ (سعدون المشلب) وربما يطردون من المدينة وفي ذلك عار يلاحق حتى ابنائهم لذلك كان وجوده احد عوامل الضبط الاجتماعي فيها  وهو في كل ذلك لايطلب مالا او مكافأة فيما يبذل من جهود تكون احيانا على حساب صحته اوللتباهي فيما يقوم به وانما حرصه على مصالح الناس في هذه المدينة التي اختطها جده(سكر) فكأنما اصبحت امانة في رقبته  يجب عليه المحافظة على بنائها الاجتماعي وتماسكه لذلك يمكن القول باطمئنان ان الدوافع المادية والشخصية  تنتفي في تصرفات هذا الرجل اذ يكفيه المنبت الكريم ارثا  وكرامة ولاحاجة له في قشور ينأىء الكريم عن الاقتراب منها... كان الوقار جلبابه وصمت الحكماء سمته لكن اذا جد الجد يكون عاصفة ورعدا وريحا ( اذا زأر.).

نعم هذه ثوابت مدينة (قلعة سكر) ايام زمان فقد تشربت بأخلاق منشئها الاول(سكربن يعقوب)الذي خطها في منتصف القرن التاسع عشر وقد بلغ من ايثاره وكرمه انه كان يخلي بيوت اخوانه للوافدين على مدينته لتحتضنهم لانهم حسب قوله (خطاطير واجانب ) ..نعم هو الضيف وهم ارباب المدينة فتناقلت اخباره الركبان الامرالذي ترتب عليه هجرة واسعة من المناطق المجاورة ليحطوا رحالهم بجوار رجل جواد طيب الشمائل لابل وفد على المدينة حتى من العوائل البغدادية  التي كان لمجيئها تأثير ملموس على السكان تمثل ذلك في البصمة الحضارية التي اضفوها عليهم من ناحية التصرف والتفكيروالتطلع للعلم بالاضافة إلى ما ا وجدوه من نشاط تجاري جعل المدينة فيما بعد مركزا مهما لتصدير  الحبوب .                                                              

مدينة في بيت ....

 

     لذلك تعيش في المدينة ليلك ونهارك في امان وتشعر بأن المدينة بيتك الكبير فقاصيها قريب ودانيها صديق وتجمعك لياليها مع الاخرين مضايف ودواوين كرامها...ديوان بيت (نيري العزيز) الذي أمه (محمد رضا الشبيبي ) خلال ثورة العشرين وديوان بيت ( كريم كله )وديوان ( سعدون الياسين ) وديوان (الكواظمة) وبيت (خشلوك) وديوان السادة ( ال ياسر) وغيرها ..فكانت بمثابة دوائر او مؤسسات اجتماعية تستعرض فيها احوال المدينة او المشاكل التي تستجد فيها فتتدخل لتقديم الحلول قبل تفاقمها .. لاضر ولاضراروانما جهود خيرة في سبيل ان تمتد الايادي لتصافح بعضها البعض بدلا من ان تصفع بعضها البعض لذلك اذا حدث سوء تفاهم اوخصام بين ابنائها فلا يدوم غمضة عين .اما اذا ركب الشيطان احدهم وجار على خصمه وسالت الدماء فلا نفير يعلن (كوامه) ولامسدسات تشهر ولا رشاشات تهيأ لليوم الموعود ولا منع المعتدي وابناء عشيرته وفرض حظر التجول وتهديده بعدم الظهور في المدينة او فتح حوانيتهم فهذه (اللاءات) البغيضة لاوجود لها في قاموس المدينة الاجتماعي فهي تغلب عليها عاطفة ( الجماعة المحلية)القوية الاصرة التي لاتصدعها لحظة تهور طائش وان هذه الامور بمعايير الناس تعتبر احداثا طارئة تفرضها احيانا تكاليف الحياة ومنغصاتها وعليه يجب ان لا ينظر اليها بعين الغضب والانتقام، وفي مثل هذه الحالات ..يذهب المعتدي عندما يأتي المساء بمعية بعض اصدقائه فيعتذر لصاحبه ويأسف لتصرفه الذي لاينسجم مع الاخوة فتنتهي المشكلة بقبلة على صحفة الخد وبجلسة تكون انخابها ارتشاف اقداح الشاي ويصبح الحادث في خبر كان وكأن شيئا لم يكن .                              

 هل يمكن ان يحدث مثل هذا في الوقت الحاضر ؟ 

    ولعل حادثة ( كرومي النجار ) مع ( اسحاق البدر) دليل حي على السماحة واحترام المعشر فالاول رجل غريب وفد على المدينة ليعمل نجارا وليس له في المدينة ابناء عمومة او اقرباء اما الثاني فهو من كبار عشيرة (المشلب) وابناء شيوخها الذين هم بناة مدينة (قلعة سكر) وحصل اختلاف بسيط بين الاتنين حول اجورتصليح (مسحاة) زراعية فما كان من (كرومي)الذي استأسد وصال وجال ا ن لطم (اسحاق )على خده بقوة لكن (اسحاق) الذي كان بمقدوره ان يسفح دمه  ويسحق عظامه  اخذ ( مسحاته ) وانسحب دون ان تظهر عليه ردود فعل انتقامية.

     اما (كرومي النجار) فقد ادرك خطأه متأخرا فأغلق دكانه وانسحب إلى البيت وظن ان (اسحاق) سيرسل له من يقتص منه وظل مرعوبا حبيس البيت يفسر كل حركة امام بيته ان رجال اسحاق قادمون لقطع رقبته.

    وفي اليوم التالي نزل (اسحاق)إلى السوق في طريقه إلى المقهى فشاهد دكان (كرومي) مغلقا فلم يعبأ بذلك ولكن في اليوم الثاني وجده ايضا مغلقا فاستغرب ذلك فسأل جاره عن سبب اغلاق ( كرومي) لدكانه فقال له انه فعل ذلك  مخافة منك لآنه تجاوز عليك بالضرب وهو في البيت يرتعد خوفا فقال(اسحاق) لو كنت اريد به سوء لتأبطت شرا في وقتها وعملت به ماهو اهل له.. سامحه الله ووجد ( اسحاق ) ان ظنون (كرومي ) أثم عليه لذلك تفرض المروءة  ان  يذهب بنفسه إلى بيته بالرغم من كونه معتديا ليزيل مخاوفه التي جعلت قلبه في (جناحي طائر) ولما وصل إلى بيت (كرومي) نادى عليه بلهجة مطمئنة بما معناه  (  ياكرومي .. حرام عليك ..تشك بي سوءآ ) فاخرج إلى السوق لتعيل اسرتك فأطمأن قلبه وخرج من بيته وقبل اسحاق على خده لابل حاول تقبيل يده لكن اسحاق رفض ذلك وداعبه بمرح انساني يدخل في باب المثالية اذاتريد ان تصفعني ثانية فدونك خدي وافعل ما شئت ..حدث هذا في نهاية الثلاثينات أي في الوقت الذي تضرب الآمية اطنابها في اكثرمن 95% من السكان والحادثة وقعت بين رجل عادي وبين رجل ينتمي إلى الطبقة (العليا العليا ) في حينها لكن العقل غلب الرعونة فظلت مياه الحياة تجري بخريرها الهادىء الجميل دون ان يعكرصفوه غراب نعق واختفى. وهناك امثلة كثيرة على هذا النوع الانساني من التسامح لايسع المجال لذكرها.

 

تغير الحال وانفرط العقد ...

 

     اما في الوقت الحاضر فيعتبر هذا الموقف وامثاله صورة للجبن والانهزامية لابل يكون عارا على صاحبه.. فالعين بالعين والسن بالسن والبادي اظلم )واصبح لكل هفوة شجن ولكل كبوة ثمن واذا حدت ووقعت في احد هذه المطبات  سيكون مصيرك وكل اقربائك في خطركبير اذا لم تعالج وفق النواميس العشائرية وصارت حتى الامور البسيطة لها عقوبات قننها البعض واصبح لها مفعول كمفعول القوانين فاذا دست على نعال احدهم في السوق وتسببت له بخطوة حافية او حدث تدافع بسبب الازدحام وسقط عقاله فالويل لك اذ ينفض عليك العداوة (الكوامه) ولتجنب نفسك المشاكل يجب ان ترسل له الرسل لتحديد هدنة تذهب  الوساطات الحميدة بعد انتهائها حيث يعقد مجلس عشائري خاص يقرر فيه كبار القوم ما لحق  بـ (الشرف الرفيع من الاذى ) وفي ضوء ذلك يحدد المبلغ المالي الذي يجب ان يدفعه (المعتدي)للشخص الذي تصدع شرفه بتلك الفعلة التي لاتغتفر !! اما ذا حدث( لاسمح الله) مثل ذلك لآمرأة وليس لرجل فيحدث ما يشابه الحروب العالمية من استدعاء المواليد وتجهيز السلاح واعلان النفير العام وتأتي الوساطات وتذهب والاخيار يروحون ويجيؤون ولاتنتهي هذه الحوادث الاولى والثانية الا بد فع الملايين من الدنانير لذلك اخذ ابن المدينة يأخذ حذره في المناطق المكتظة كالاسواق اوعلوة بيع الخضر لئلا يحدث مالايقدر عليه لابل حاول البعض ان يجاري هذه البدع لا ايمانا بها وانما لدرء الاخطار عن نفسه فيما اذا جاءت الصدف بالبلايا لذلك اندس هذا البعض بين صفوف عشيرة قوية الشكيمة لتكون حاميا ومدافعا له فيما اذا جار عليه الزمن.

 

   وبالرغم من وجود البعض الذي يحاول ان يجعل هذه الامور (سنة) جارية لكن الكثير من العقلاء ينظرون اليها بعين رافضة و يعتبرونها عنعنات جاهلية لاتزيد الفرد منزلة ولا تحط من قدره خردلة فالنعال اذا خلع او العقال اذا سقط لاعلاقة له بكرامة الانسان وشرفه فالشريف المؤمن في الاسلام من سلم  المسلمون من يده ولسانه والانسان هو المروءة والكلمة الطيبة والصفح عن الاخرين وكرم الوفادة والعدل فاذا وصل إلى هذه المرتبة العلوية تطأطأت له الرؤوس اجلالا حتى ولو كان مملقا لا مال له.

 

    التخلخل الحضاري...

   لقد صارت المدينة ميدانا للصراع بين الروح القبلية والقيم المدنية ادى إلى قيام (تخلخل حضاري) حاد زاد في شدته الهجرة الواسعة النطاق من الريف إلى المدينة واحتضان السلطة للنشاط العشائري منذ الثمانينات ولحد الآن وتغيرت كثير من الموازين ا لتي كانت سائدة  فالشخص الوافد على المدينة من الريف في السابق لايستطيع دخولها وهو يتمنطق بسلاحه وهوعادة لايتعدى (الخنجر او المكوار) لآ ن السلاح الناري انذاك نادر ولاتمتلكه الا فئة محدودة ومعظمه مجاز لذلك يدخلها مسالما ويودع سلاحه في الخانات التي يربط فيها فرسه اوحماره امانة عند صاحبه اما اذا جازف ودخل المدينة بسلاحه فلا يلوم الا نفسه فاذا سلم من سخرية الاطفال وصياحهم فانه لايسلم من مطاردة الشرطة له اما الان فتطور الحال وتبدلت (الحمارة)إلى( السيارة) وتجد في صندوقها المسدس يعانق الكلاشنكوف بقوة لآن البعض يعتبر ذلك مظهرا للمنزلة وعلوالكعب لقد قيضت تلك الظروف التي اشرنا اليها انتصارا للقيم القديمة وصار لزاما على كل فرد ان يحفظ شجرة عشيرته ويحمل انجيلها اما اذاكانت عشيرته تعيش في مكان قصي عنه فعليه ان يلتجأ إلى عشيرة قريبة من سكناه يرتبط معها بالانتساب اما اذا لم يفعل ذلك فيكون عرضة لآن تبول عليه(الثعالب) اذالم تأكله اذاتعرض لمشكلة ..فكل فرد يجب ان يكون له سجل في عشيرة يتكأ على سلاحها ويتفيأ بظلال رماحها والا سيكون رمزا بائسا للضعف الاجتماعي.

      تحولت (قلعة سكر)مدينة الاخوة والعواطف الجياشة إلى مستوطنة تلاشى تجانسها الاجتماعي وفقدت كثيرا من ميراثها وتفتت فسيفسائها وزخارفها الجميلة واختفت قممها التي كانت تلجأ اليها ( الطيور )لتأمن من عصف الريح والصقور الجارحة في حين اصبحت الان مهزوز ة لاعاصم لها.. اما تلك الدواوين التي تحتضن ابناءها فأصبح بعضها اطلالا لاتأثير لها سوىذكريات جميلة  اخذت تخبو شيئا فشيئا واناسها الذين كانوا يعيشون على الفطرة وسلامة النية وبساطة الحياة تقوقع من بقي من ابنائهم في بؤر صغيرة تدفع  عاديات الايام بالتي هي احسن وبرغم كل هذه الزوابع ظلت تلك الفئة تحمل في كيانها شتلات المحبة والاخوة . ... خضراء وارفة الظلال لم تتكسر اغصانها التي تتلقى قبضات اصحاب العضلات بالتسامح والعفو.ومع هذه الشذرات المضيئة فأن التبدل الاجتماعي السريع سيطر على مفردا ت الحياة بحيث لم تتمكن تلك الشذرات من ايقاف اختلال التوازن الاجتماعي وظهور العلل التي خلعت ماكان سائدا وحلت محله.                                                                              
                                       

امل في بقية خيرة...

 

     ومع كل تلك الغيوم التي عكرت صحو سماء المدينةالا انه والحمد لله لم تعدم المدينة من دواوين لها حضور اجتماعي ورجال ورثوا مزية الفصل والتحكيم في المشاكل ..بسيطها ومعقدها وهم في كل ذلك يبذلون الشيء الكثير من وقتهم وراحتهم في سبيل التوصل إلى حل نهائي لها .. الا ان التطورات التي طرأت على الحياة لاتجعل الامور تسير إلى الامام دائما فهذه ميزة التقدم لذلك فالتركة ثقيلة ولا تأتي الرياح دائما بما تشتهي السفن فالبرغم من جهود تلك النخبة الخيرة ومحاولاتهم للوصول إلى الشواطىء الآمنة الا انه كثيرا ما يحدث الخرق اوالتمرد عليها وتضيع تلك الجهود سدى..ولتبدأجولة اخرى من جديد وربما لايتحقق شيىء فتبقى الامور تسير في حلقة مفرغة قد يصاحبها ما ليس في الحسبان لذا ظلت كثير من الجوانب رخوة تثير القلق في حياة المدينة.

 

 ملائكة في ادارة المدينة ....

     اما   اذا ا لتفتنا الى الجانب الرسمي واطلعنا على سيرة المسؤولين انذاك فستأخذ عقلك غيبوبة طويلة ..هل هؤلاء بشر ام ملائكة تواضعت ونزلت إلى الارض ؟ فهي تحمل النزاهة والاخلاص والشعور العالي بالمسؤولية الذي لايمكن تخيله لآنه يعتبر انشقاقا عن المألوف مع العلم انه لم يمض على ميلاد الدولة العراقية سوى سنوات قليلة فهي لم تبلغ سن الرشد بعد ولكن تمكنت من خلق جهاز اداري رصين على درجة عالية من الكفاءة وحسن الاداء والنزاهة ..فمنهم المرحوم (جعفر حمندي) الذي تولى عدة مناصب قضائية في البلاد ثم عين قائمقاما في(قلعة سكر) في بداية الثلاثينات فكان يسكن في بيت حكومي متواضع لكنه يقع في موقع خلاب في اقصى طرف المدينة الشمالي ويطل على نهرالغراف وتحيط به حديقة غناء مزروعة باشجار البرتقال والاترنج وتتصل بحديقة كبيرة إلى جانبها ( بني عليها في منتصف الاربعينات مستشفى)  ويأخذك سحر هذه المنطقة في فصل الربيع عندما تمربها اذ ينث قداح البرتقال والاترنج اريجه فتشعر بخدر لذيذ يتصور خيالك ان هناك من سكب قارورة عطر كبيرة انتشى   بها المكان فعطر الانفاس بها ومما يزيد المنظر رومانسية ان شاطىء النهر الاخر تزخرف شاطئه اشجار النخيل والرمان فيبدو وكأنه ساتر اخضر لحماية المدينة .

     يخرج القائمقام من بيته راجلا لا سيارة أنيقة تقله ولا حرس عابس الوجه يحيط به.. يسير بمحاذاة النهر وكأنه يريد ان ينتشي بحمرة شمسها المشرقة ونسيم صباحها المنعش الذي يداعب مياه النهرفيحدث خريرا اقرب إلى موسيقى هادئة  تدغدغ المشاعر من الاعماق ثم يسلك في سيره السوق حتى يصل إلى السراى ( السوق العصري حاليا) حيث تؤدى له التحية الصباحية من قبل حرس الشرطة .

   وعندما يمر بالسوق يسلم على هذا ويبتسم لذلك واصحاب الحوانيت يردون على تحاياه باجلال ووقار مع انهم مشغولون بكنس المساحات الامامية لحوانيتهم فاذا انتهوا رشوها بالماء لانهم يرون ان النظافة من الايمان وان مايقومون به يعتبر امتداد لذلك , على عكس ماتشاهده في الوقت الحاضر حيث تشاهد السوق وخصوصا في المناسبا ت التي يزداد فيها التسوق كأنه مخزن لآكوام العلب الفارغة واكياس النايلون حتى يخيل اليك انك تمشي في فناء معمل كارتون عاطل بالرغم من ان السوق مسقف بشكل جميل .وفي عام 1936/1937عندما  صار( جعفر حمندي) وزيرا للمعارف  لم ينس المدينة التي عمل بها اوابناءها الذين كان يرحب بهم عندما يزورون بغداد ويلح عليهم بالذهاب إلى بيته لتناول الغداء معه ,كذلك فعل ابنه الدكتور (وديع جعفر حمندي ) الذي كان يبذل جهدا كبيرا لمعالجة مرضى المدينة الذين يأمون عيادته في بغداد فكان يفحصهم مجانا ويسهل اجراء العلميات الجراحية لهم اذا تطلب الامر .. نعم ان (قلعة سكر ) بالنسبة له بمثابة مسقط رأسه وملعب صباه فيجب ان يرد الجميل لابنائها لآنهم اهله  فيمنحهم من جهده الشيىء الكثير.

     ومما يقال عن المرحوم ( جعفر حمندي) وولده يقال ايضا عن المرحوم ( باقر الدجيلي) والاستاذ ( خضر عبد الغفور العاني) الذي اصبح وزيرا للتربية في الستينات فقد ظلت مدينة (قلعة سكر) عالقة  في ذاكرتهم حتى بعد تسنمهم وظائف ادارية ووزارية وبدرجة اكبر ظلت ذكراهم  وبصماتهم محفورة في ذاكرة المدينة ايضا تنقلها من جيل الىجيل كنموذج مثالي للموظف النزيه الذي يشرف الوظيفة ويضفي عليها هيبته ووقاره اكثر مما تشرفه.  

             

صار وزيرا ولم ينس قلعة سكر ....!!

      وهنا لابد من الوقوف قليلا امام وزير التربية الاستاذ ( خضر عبد الغفور العاني) بكل اجلال فقد ذكر لنا احد اقاربه وهو المدرس ( محي شريف العاني) انه عندما عين مدرسا للرياضيات في ( قلعة سكر) انتابه الضجر والاستياء وقال انه يعرف بوجود محافظة (لواء) الناصرية لكنه لم يعرف مدينة فيها بهذا الاسم فقد قضى جل حياته في بغداد ولم يخرج منها لذلك ارتأى الذهاب إلى  وزير التربية الذي يمت اليه بصلة الخؤولة لتغير مكان تعينه واعتقد ان خاله سيغير ذلك بمجرد جرة من قلمه  وكانت مقابلة الوزراء انذاك سهلة ميسورة لا حمايات ولا مفارز ولا مواعيد ( عرقوب ) وانما مجرد تسجيل الاسم والهوية والسبب .

     ويقول لما دخلت عليه رحب بي كثيرا ولما سألني عن مكان تعيني  اجبته في( لواء الناصرية ) ثم ذكرت ناحية قلعة سكر بازدراء ورجوته ان ينقلني إلى محافظة قريبة من بغداد اذا لم يتوفر الشاغر في العاصمة ويقول لما انهيت كلامي فاجأني ( خالي ) الوزير بكلام قاس مشوب بالتوبيخ وبانت امارات الغضب عليه وقال : انت تتهكم على مدينة( قلعة سكر) انها المدينة الاولى التي تعينت بها معلما ومارست بها  مهنتي لاول مرة في الثلاثينات وانت ترفضها !!!

اذهب ايها الشاب للالتحاق بوظيفتك وسوف تطوقك المدينة بجمالها  وبساطة اهلها فلم يغير امر تعينه وظل في ( قلعة سكر ) مدرسا.

       ويسجل التاريخ لها الوزير النزيه مآثرة تربوية مبدعة عندما امر ان يكون تعين المعلمين والمدرسين خلال العطلةالصيفية وتكون مباشرتهم بالوظيفة في بداية الدوام الرسمي الذي يصادف 1/ 9 من كل عام حتى يتغلب على الروتين الذي يصاحب التعيينات          ويبقي الشواغر في المدارس فترة طويلة لحين انتهاء مراسيم التعيين وبهذه الطريقة الذكية استطاع تهيئة الكادر التربوي قبل بداية التدريس فلا شواغر ولا انتظار اوامر التعيين التي كانت تمر بعمليات قيصرية مؤلمة ... ليس لدينا تعليق على هذا النوع من الرجال سوى ابيات لنزار قباني ... نبعثر بناءها ونتجاوز على تركيبها ليستقيم مع ماذكرنا... فكل واحد منهم ( رجل ولكن ليس  كالاخرين .. فيهم مزايا الانبياء ولكن ليس فيهم كفر الكافرين ) .

الماكنة البشرية ....

    لم تحافظ قلعة سكر على درجتها الادارية وانما اصبحت ناحية في 1935 لآسباب لا مجال لذكرها وقد توافد على ادارتها عدد من المدراء لعل ابرزهم ( الحاج عبد المطلب القطان ) في بداية الخمسينات فكان له على المدينة اياد بيضاء اذ يعتبر مهندسها الحقيقي وتدين (قلعة سكر ) بشكلها الحالي لذوقه الفني الرفيع اذ اضفى عليها لمسات حضارية جعلها تستحق بجدارة لقب (عروس الغراف) فهو الذي اختط شارعها الرئيس الحالي وجعل في طرفه الشمالي ( مدرسة الخنساء الحالية )حديقة غناء زرعت بالورد والاشجار الدائمة الخضرة وسورها بسياج له اربعة ابواب ووضع فيها نافورة كهربائية تعمل ليل نهار وتتوزع على محيطها الدائري المصابيح الكهربائية بشكل متناسق يضفى ضياؤها الاصفرعلى بساطها الاخضر، بهجة تفرض عليك الجلوس على اديمه بالرغم من وجود المقاعد الموزعة في الحديقة.

       ثم خط حديقة ثانية امام مدخل السوق واحاطها بسياج حديدي فيه زخرفة جميلة ونصب فيها ساعة كهربائية يسترشد الناس بمواقيتها ... كان هذا في الخمسينات من القرن العشرين قبل ان تظهر علينا الكهرباء التي تسمى تجاوزا ( بالوطنية ) اذ لو كانت كذلك لما قطعت علاقاتها الدبلوماسية معنا وخفضت درجتها ليست إلى قنصلية وانما إلى (كشك)  ولا يفتح ابوابه الا  لسويعات لا  نذكرها خجلا  وبأسعارهي اقرب إلى الابتزاز وابعد عن الخدمة في حين ان الكهرباء في الخمسينات ( مكائن توليد بقوة 80 حصان  في المدينة تعمل بالتناوب ) لاتنقطع ليل نهار.                               

الحدائق مجالس للناس:

      ونعود إلى ( الماكنة البشرية ) التي وهبها الله لادارة ناحية (قلعة سكر ).. فقد اضاف حديقة ثالثة في اقصى طرف المدينة الجنوبي (بالقرب من ثانوية البنات الحالية ) فاصبحت هذه الحدائق الثلاث بالاضافة إلى الحديقة الجميلة التي انشأت في منتصف الاربعينات عندما تم تبليط شارع النهر بالقير ، رئات المدينة التي تتنفس فيها ومنتديات يقضي الناس على مختلف اعمارهم ليالي الصيف بها فتجدهم على شكل جماعات يفترشون بساطها الاخضر يتجاذبون اطراف الحديث حتى ساعة متأخرة من الليل فتسمع فيها النوادر واخبار المدينة .. افراحها واتراحها . ان هذا التلاحم زاد من تماسك ابناء المدينة فكانوا كعائلة يساهمون مع بعضهم في المناسبات وخصوصا التي تتطلب العون والمؤازة كالاعراس والوفيات ففي الحالة الثانية يساهم معظم الناس في تشيع الجنازة لابل تقفل معظم الحوانيت ابوابها  اما الذي تربطه علاقة قوية بولي المتوفى فيصحبهم  إلى النجف الاشرف حيث ( مقبرة السلام) ويتقاطر ابناء المدينة على مجلس الفاتحة وهم يحملون (كارتونات ) السكائر والمواد العينية والنقدية كل حسب قدرته ..تعاونا ومواساة ومظهرا يعبر عن وحدة النسيج الاجتماعي ، سواء كان صاحب المناسبة غنيا او فقيرا ..فليس هناك طبقية في الموت لابل يتقاطرون على الفقير بحماسة اضافية لمساعدته وليشعروه انه واحد منهم تهمهم احواله ، عكس مايحدث في الوقت الحاضرفالغني التاجر والمسؤول الكبير تغص مجالس عزائهم بالمواسين والحاضرين والقائمين على خدمة الزائرين في حين تجد مجلس عزاء الفقير فقير بأهله ومواسيه وخصوصا اذا كان من ابناء المدينة فلا يحضر مآتمهم الا معارفهم او الذين لم تغادر رابطة السكن قلوبهم ،فسبحان مغير الاحوال.              

النحلة العاملة ..تصنع عسلا وتلسع من يسرقه ..

               لقد كان لذلك المدير فضل لاينكر ولاينسى للمدينة لذلك اضفت عليه المدينة لقبا شعبيا يفصح عن نشاطه العمراني فسموه ( حجي فلكة ) والفلكة تعني الحديقة الدائرية . ان الضمير الاداري الذي يحمله المرحوم ( الحاج عبد المطلب القطان ) يجعله لايترك انجاز الاعمال الحكومية تحت رحمة المقاولين بل يشرف بنفسه وبصورة ميدانية على العمل حتى لايفسح المجال للغش في الانجاز .

    وهذه الحادثة شاهدناها عندما كنا طلابا في الصف الاول متوسط في النصف الثاني من السنة الدراسية 1955فقد كانت البناية التي ندرس فيها بالاساس كانت ناديا للموظفين منذ الاربعينات ثم الغي النادي وجعلوه بناية للمتوسطة التي افتتحت تقريبا في عام 1950 وكانت بعض غرفها متداعية كما انها لم تستوعب العدد المتزايد من الطلاب فاستدعت الحاجة إلى بناء جناحين يلحقان بالبناية يتألفان من اربعة صفوف وبدأ العمل فيهما وكان بيت مدير الناحية مجاورا للمتوسطة لذلك كان يمر على موقع العمل قبل التحاقه بالدوام،وفي احد الايام عندما جئنا للمدرسة شاهدنا مدير الناحية يمسك بتلابيب ( الخلفة) ثم رماه على الحائط و توجه نحو الاسمنت (المخبوط) وامر احد العمال بنثره على الارض بعيدا عن موقع العمل .

      وقد صعقنا للمنظر ولما سألنا بعض العمال قال لنا ان المدير وجد ان نسب االاسمنت إلى الرمل غير اصولية وامره ان ( يخبط) امامه وجبة جديدة حسب النسب المتعارف عليها فاستجاب (الخلفة) مرغما على اعادة الخبط وهو يرتجف خوفا... لامكان للغش بوجود الاتقياء.. نعم مازالت تلك الاجنحة التي طالت صحبتها للزمن شامخة بغرفها وطارماتها تستخدمها دائرة ماء قلعة سكر مقرا لها تتحدى الايام  ..لابل تتحدى الغش والغشاشين بفضل همة المدير الذي جعل العمل يسير وفق المواصفات الفنية عن طريق متابعته العمل بنفسه لاوفق (هدايا) المقاولين.

وتستمر المراقبة....

     واذا لم تصدق يأخذك العجب بما يبذل  هذا المدير من جهود استثنائية  فعندما اريد تبليط شارع المنهل والشارع الموازي له كان التبليط يجري بواسطة اليد وليس بالمكائن فقد كان القير يصهر في كور خاصة تبنى له وعندما يصل إلى درجة معينة من الانصهار ينقل القير المنصهر بطاسات العمل ويكوم على الارض المحدولة ويفرش بواسطة خشبة اسطوانية لها مقبضين في الجوانب وهكذا يتم العمل بهذه الطريقة المرهقة والبدائية.

     وفي سبيل قطع دابر الغش نهائيا كان المدير يخرج في التاسعة او العاشرة ليلا ليلقي نظرة فاحصة على الكور التي تغلي بالقير المصهور ويأخذ منه عينة يخرجها بقطعة من الخشب حتى تبرد ثم يلوكها بفمه لفحصها للتأكد هل ان المقاول اضاف إلى القير شيئا من النفط اوالزفت السائل حتى يعجل بعملية الانصهار فاذا لم يجد فيه رائحة تلك المواد ودعهم وانصرف ، اما اذا كان العكس فلا ندري ماذا يعمل ؟ لكنه ربما يلقي بكبيرهم بأحد كور القير المستعر ليصبح قبرا ملائما لمن اراد غشا لمدينته ، لكن المقاول كان يعلم مع من يتعامل لذلك لم يجازف بالتلاعب بالمواصفات المطلوبة ،ونتيجة لذلك ظل التبليط محافظا على صلاحيته حتى الثمانينات. نعم هكذا كان المسؤولون يوردون الابل ...لذلك كان المقاولون يخشون غضبته وليس العكس ومن هنا يمكن ان نفهم معنى المقولة الجارية ..كل قديم متين .                                                          

        ولعل في الحادثة الطريفة التالية ماتصلح للتدريس في مواد التربية الوطنية ليطلع النشىء على هذه الشرائح النزيهة من المسؤولين الذين يخدمون الوطن من خلال الوظيفة ،فقد اراد مرة ان يردم حفرة في احد الشوارع بالتراب ( قبل تزويد البلدية بسيارة قلاب 1955)فارسل على اصحاب الحمير الذين يقومون بجلب التراب من برية المدينة  فوجد ان ما طلبوا من اسعار يفوق اعتماده المالي فلجأالى وسيلة لم تخطر ببال احد الا  لآولئك القديسين الذين عافوا درن المادة وذابوا في عالم الفضيلة المثالية،فعمد إلى شراء اربعة حمير وكلف عمال البلدية بالحفرونقل التراب على ظهورها ولما تم ردم الحفرة باع تلك الحمير فأطفأ بأثمانها نفقات العمل .              

 ومن الاخلاص ما قتل !!                                                                        

      ونحن اذ نذكر المخلصين الذي عملوا بالمدينة بجد واخلاص لابد وان نذكر بعض مدراء البلدية الذين تعاقبوا على ادارتها فكانوا كخلايا نحل يعملون للمدينة اكثر ممايعملون لبيوتهم .. الم يفقد المرحوم ( حمد الحاج فليح الحيدري) حياته شهيدا في العمل عام 1955 ؟ عندما كان يشرف بنفسه على ردم الحفر في شارع المدينة الرئيس عندما جهزت ادارة اللواء ( المحافظة )البلدية بسيارة قلاب ،فكانت في وقتها اشبه بهدية من السماء فصادف ان سائق السيارة رجع إلى الوراء دون ان ينتبه ان مدير البلدية في المكان الذي استدار اليه فداس على جسده وعجنه مع التراب وكأن القدر ارتأى ان يكون دم هذا الرجل شاهدا على التفاني والتضحية ،فهذا الرجل لم يعد لديه الدوام الصباحي يكفي لانجاز الاعمال فكان يستغل وقت العصر للعمل ايضا في سبيل تعديل الطريق ليكون سالكا للناس بأقصر وقت فأستشهد عصرا في حين ان من امثاله  يغط في سبات عميق لايقبل ان يوقظه احد حتى ولو ضرب المدينة بركان عنيف.                              

     اما السائق المسكين الذي كاد يموت رعبا فلم يتخذ اهل رئيس البلدية ضده أي اجراء ولم يسجلوا دعوى ضده بل توسطوا في اطلاق سراحه واعتبر الحادث قضاء وقدرا.

                               

خلف فاق سلف:

 وكذلك الحال للمرحوم المحامي ( طالب كريم كله ) الذي اعقبه في ادارة البلدية فقد اتم ما بدأ به سلفه من ردم المناطق المنخفضة لاسيما  نهر ( المجبس ) الذي اصبحت مياهه اسنة بعد انقطاع مصدره  فصار بؤرة للبعوض والروائح الكريهة وبذلك تخلصت المدينة من احد العوامل التي تسبب الامراض .         

          كما نصب ماكنة لضخ الماء إلى حدائق الدوائر الرسمية فكانت تسقي حديقة بيت مدير الناحية وحديقة ( المستشفى القديم الذي بيع انقاضا في المزاد العلني) وفتح ساقية اعتبارا من بيت مدير الناحية ثم تمر موازية امام واجهة المستشفى الامامية بشكل مستقيم لتنحني بعد ذلك لتمر بجنوب المستشفى ثم حديقة مدرسة المنهل  والخنساء والحديقة الدائرية القريبة منها وبمرور الزمن اضحت الارصفة التي تخترقها الساقية بساطا اخضر من ( الثيل ) وفر مكانا جميلا للطلاب للقراءة فيه لاسيما ان هذه المنطقة تتميز بهدوئها لعدم وجود دور سكنية كثيرة .

    اما ذا اصاب العطل مكائن ضخ الماء الصافي او تعطلت احدى مولدات الكهرباء (الكهرباءكانت محلية تحت اشراف البلدية مع اسالة الماء) فكان يقوم بنفسه بأخذ الالات العاطلة إلى بغداد لتصليها في ورشات يعرف امكانات اصحابها الميكانيكية ، لاسيما وانه له خبرة ميكانيكية بما يمتكله والده من مكائن للطحن ومكائن للسقي و  كانت له معرفة سابقة مع اصحاب هذه الورش فأستثمرها لدفع محاولات البعض استغلال الاخرين ورفع اجور التصليح باكثر مما تستحق ،فكان يتحمل مخاطر الطريق والتعب المضني لاسيما اذا علمنا ان الطريق إلى بغداد لم يكن كله معبدا انذاك في سبيل ان لاتضيع اموال الدولة بالتحايل من قبل المصلحين ،لذلك كان الماء الصالح للشرب والتيار الكهربائي مستمرا ن ليل نهار بدون انقطاع.        

 

الدولة لاتفرط بممتلكاتها:

 ولعل الحدث التالي يدلل بصورة واضحة على مدى نزاهته وحرصه على عدم التفريط    بممتلكات الدولة مهما كانت الاسباب فقد جاءه يوما احد اقربائه وكان شخصية معروفة بالمدينة (المرحوم عودة الراهي)وكانت له قطعة ارض بجانبها عرصة يمتد جزء منها على شكل مثلث امام قسم من واجهة قطعته يحجبها عن الشارع العام اذا اراد بناءها وعرض على مدير البلدية ضم هذا المثلث لقطعته ليستقيم البناء، واستملاكه بطريقة الشراء ،الا ان المدير (طالب كريم كله) رفض طلب قريبه رفضا تاما وبين له ان في النية بناء مكتبة على هذه العرصة والمكتبة بحاجة إلى اي متر اضافي فخرج قريبه غاضبا واعتبر ذلك لونا من عدم التقدير لكن المدير لم يعر بالا  لغضب قريبه وبالفعل بنيت المكتبة وظل ذلك المثلث يحجب جزء من واجهة القطعة التي إلى جانبها بشكل يدلل على هوية شخص نزيه ، وبالامكان مشاهدة تداخل المكتبة مع البيت المجاور لها لحد الان .             

       كما ويعود الفضل لهذا المدير شراء جهاز لرش المواد المبيد ة للحشرات حيث كان يوضع الجهاز على احدى سيارات البلدية وتطوف على احياء المدينة يوميا لمكافحة الحشرات فوفر لاهلها نوما مريحا يخلو من لسعات الحشرات وطنينها المزعج لاسيما وان سكان المدينة ينامون ليلا في الصيف على سطوح منازلهم في تلك الفترة قبل ان تغزو المبردات والمكيفات حياتنا.       

     لكن المدينة حرمت من خدمات هذا الانسان الجليل حيث نقل إلى بغداد  موظفا  في الدائرة القانونية لوزارة البلديات في نهاية الستينات.

      وخلاصة القول ان المدينة بالرغم من ان معظم شوارعها ترابية وليس فيها سوى شارع النهر( بلط بعد نهاية الحرب العالمية الثانية)وشارع المنهل والحسينية (في بداية الخمسينات) لكن تجد المدينة نظيفة يكنس المنظفون الشوارع الترابية يوميا وكذلك المبلطة بالاسفلت ويرش شارع النهر صيفا باعتبار ان هذا الشارع كان مركزا لمقاهي المدينة التي يتجمع فيها وجهاؤها وتجارها وموظفوها وتبقى فيه الحركة حتى بعد منتصف الليل وينقل الماء لرشها من النهر الذي يطل عليه الشارع بواسطة السقائين ( قبل تزويد البلدية بسيارة حوضية في الستينات ) بتكليف من اصحاب المقاهي مقابل اجور رمزية ربما تقتصر في بعض الاحيان على قدح من الشاي وفنجان قهوة ...اذن حتى هذه الطبقة المعدمة تتفانى في الخدمة العامة ..فما ا بخس الاجر ولكن ما اعظم قيمة مايفعلون !! وهو تلطيف حرارة اجواء ملتقى ابناء المدينة. 

ان النجاح الذي حققه هؤلاء المسؤولون في ادارة المدينة يمكن مرده إلى جملة اسباب منها   انهم حرروا انفسهم من قيود بيروقراطية العمل ولم يجعلوا من دوائرهم كهوفا يختفون فيها وانما كانوا على وعي تام بحاجات المدينة وما يجري بها سواء بواسطة جولاتهم اليومية او عن طريق موظفي الناحية والبلدية لذلك فهم يعلمون ان فلانا يريد التجاوز على ارض الدولة واخر يحاول البناء بدون اجازة ورخصة فيمنع من المخالفة قبل وقوعها مهما كانت مكانة الشخص.                 

بين (الكرزمة) ومثالية افلاطون:

      بالاضافة إلى ذلك فان هؤلاء الرجال  وهبهم الله بما يطلق عليه علماء الاجتماع والفلاسفة بما يسمى( الكرزمة )التي تعني قابلية الشخص على القيادة والالهام بفضل  قوة الشخصية

و العبقرية كما لا ننسى الخبرة التي يحملونها فهم لم يأتوا إلى الوظيفة ( من الرفش إلى العرش) فتطغى عليهم الاخطاء والانحراف لآنعدام المعرفة والخبرة لذلك تغلغل فيهم شعور الانتماء للمجتمع وان الوظيفة ليس حانوتا يخضع نشاطه للربح والخسارة الفردية وانما الوظيفة صغرت ام كبرت تهدف إلى خدمة المجتمع والوطن لهذا تلمس عندهم الشعور العالي بالمسؤولية بشكل فاق هيكلية (افلاطون ) لجمهوريته ( الطوبائية ) .

التي ترى ان تحقيق العدالة والفضيلة لايتم الا بحكم الفلاسفة الذين يخضعون للدراسة والتمرين والممارسة العملية وعند بلوغهم الخمسين من العمر يحق لهم ان يكونوا حكاما ومع ان من ذكرناهم ليسوا بحكام لهم امتياز صنع القرار وانما هم مفاصل صغيرة في السلطة التنفيذية ولكن مع ذلك ينطبق عليهم وصف المثالية التي تكلم عنها الفلاسفة التي توصل للعدالة .

                    

تقدير أم عبادة شخصية؟

      وربما يرى البعض ان هذه السطور لاتعدو كونها تمجيدا لأشخاص تقرب من مفاهيم عبادة الفرد... نعم وليكن كذلك وان كان الاساس في حركة التطور هي الشعوب لكنها تحتاج في صناعة تاريخها إلى قيادة مبدعة ملهمة تخلق من العد م وجودا ، فالتاريخ كما يصفه احد الكتاب  ( ليس سجلا باردا للموتى  ، وانما حياة موارة تعج بالامثولات الحية والمعارف والمقارنات) وعليه فأن تمجيد الصالح ليس انحيازا وعبادة لشخص صاحبه وانما هو تقدير له لانه تمكن ان  يضع الطابوقة في مكانها الصحيح من الاساس فأوجد بناء يقاوم تعرية الزمن ومثلا للتفاني والاخلاص بعيدا عن الثرثرة والوعظ وتدثير الاوهام بجلباب الحقيقة وبعد هذا  نبخل عليه بكلمة ثناء .. فهذا من قبيل نكران الجميل.. ان اولئك المسؤولين لم ينظروا إلى المجتمع من علياء دوائرهم ولا من ناحية نفاقية تحاول تلميع اعمالها باعمال البر الاستعراضية  وهي في حقيقتها تقضم مال الوطن (    قضمة الابل لنبتة الربيع ) وانما حرصوا ان تكون خدمتهم خالصة للوطن عن طريق الوظيفة و صلاة يومية في محرابه لامحراب الدهاليز المظلمة فقدسهم التاريخ لانهم قدسوا القانون واهتدوا بعقولهم لا بمصالحهم الشخصية في واجبهم فـ (الرجل العاقل هو الذي يقوم بعمله بشكل صالح) كما يقول : (كونفوشيوس) واذا لم تقتنع .. فأعد قراءه السطور ثانية .. وستبين لك ان لا احد يعمل خارج الدوام بدون مقابل  ثم يصبح جثة هامدة بسبب  تعب سائق حكومي اضناه العمل الطويل المجاني ايضاخارج الدوام فداس بالسيارة على جسد رئيسه فأرداه جثة  دون ان يعي ،ولا تجد مدير ناحية يعلك القير ليتبين له ان المقاول يغش ام لا ؟، ويشتري حميرا ينقل عليها التراب حتى لا تتبدد اموال الدولة ...بأجور (حمير) الآخرين المرتفعة.                            

      ان هؤلاء لا يحملون الخطايا لذلك لم يرمهم احد بحجر ولم تهجم (بيادقهم) لتدمير البيادر والحقول ونهب الخزائن فاحتفظ الكل لهم بالحب ،لذلك فالواجب يملي ذكرهم وان يرفض البعض ذلك.

   

       ومما تجدر الاشارة اليه اننا حين نقبض على الماضي لا نقصد مضايقة الحاضروانما نريد ان يستفيد من تجاربه لكي تكون خطاه واثقة في مسيرها نحو المستقبل رافعا سلال الايثار والنقاء كحلا لعيون الوطن وابنائه دون الخشية من الانزلاق في الوحل..وهذه احدى عبر التاريخ المجانية لبني البشر، ولكن هل يفقهون؟        

احترقت جهود السابقين وبيعت منشئات المدينة انقاضا ....

    ودار الزمن دورة حادة واهتزت مفاصل المدينة وبدأت تظهر للعيان معاول الهدم وكأنها تريد ان تأتي على كل شيىء كالجراد الاسود...ففي( الثمانينات) ماظل شارع عريض الا وجعلت مساحات منه فضلات وبيعت على الدور المجاورة كما انه في بعض الاحيان يعبث بما تقتضيه الهندسة من جماليات لغايات معينة فيحدث تشويها في وجه المدينة مثل ذلك الشارع الذي يبتدأ بحوالي 7 م لينتهي بعرض مترين او اقل في اطلالته على شارع الاطباء في حين ان المؤسسات الرسمية في الدول الاخرى تعمل جاهدة على جعل شوارعها عريضة وذات ممرات متعددة لتسهيل انسيابية الحركة والمرور والتقليل من حوادث الطرق  وتضفي على المدينة وجها انيقا يبهج الزائر الغريب ويفتخر بها المواطن انجازا حضاريا  رائعا   اما نحن فنسير العكس فحولت بعض   المساحات الخضراء الموجودة في تصميم المدينة الى قطع كما حصل في حي المعلمين والعمال وبيعت في المزاد العلني ثم بيعت الدور التي بنتها الدولة للموظفين فأشتراها من كان قادرا على الدفع، ولعل اعظم كارثة حلت بالمدينة حينما بيع بناء المستشفى القديم انقاضا وتحولت مساحته الواسعة وحديقته الغناء التي اشرنا اليها إلى ارض جرداء وبيعت بالمزاد مع البيت الذي يأوي الاطباء الذين من خارج المدينة ،وتحولت درجة المستشفى إلى مركزصحي ونقل إلى بناء جديد في حي المعلمين( وقبل سنوات بني مركز اخر في حي العمال بسبب الازدحام الشديد على المركز الاول) لكنه لايضاهي البناء القديم الذي تتميز اسسه بالارتفاع عن مستوى الشارع في حين ان البناء الجديد لايرقى إلى ذلك لذلك تهاجمه المياه في موسم الامطار فتدخل اليه بالرغم من التصليحات التي اجريت عليه عدة مرات ،في حين ان المستشفى القديم كان لايحتاج في زمنه الا لمبلغ ضئيل في وقته قدره بعض الفنيين بعشرين الف دينار لترميمه ليصبح اجمل مؤسسة صحية من ناحية الموقع والاشجار التي تتعانق في ساحاته ولا نغالي اذا قلنا على نطاق البلد لموقعه على شاطىء النهر وحدائقه الجميلة ،.   

       وتوالى بيع الاحشاء الداخلية للمدينة  وخصوصا في التسعينات فشمل حتى البيوت التي بنيت في السبعينات وبذلك ارتكبت الادارة خطأين : الاول حرما ن الموظفين من بيوت جيدة وبأيجار زهيد والثاني خسران الدولة للمنافع المترتبة على ايجارها وبعبارة اخرى ان الدولة باعت كل ما يستفيد منه الناس وحرمتهم من منافعه ،علما انها بيعت بالدينار العراقي الذي لم يكن في حينها سوى رسم على ورق ، وهكذا ذهبت تلك المنشئات سدى لم ينتفع منه سوى نفر قليل .  

وجاء التغيير ... ولكن !!  

     وفي عام 2004  تنفست المدينة الصعداء او كادت فبدأ تعبيد الطرق والاهتمام بالارصفة وترميم الحدائق التي ذكرناها واعيد احياء الحديقة التي انشأت في منتصف الاربعينات بالقرب من الجامع القديم إلى سابق عهدها  بعد ان اهملت في السبعينات و حولت إلى ساحة لوقوف السيارات وانشأت بعض المناطق الخضراء في حي المعلمين وتشجير شارع النهر وبناء بعض المدارس وترميم بعضها ... نعم حصل كل هذا وهي امور مسرة بغض النظر عن التفاصيل في مسائل الجودة والنوعية ..الا ان هناك الطامة الكبرى التي لم تعالج بالشكل المطلوب بالرغم من وجود الامكانات في وقتها  وهي مشكلة المجاري وخصوصا في ( حي المعلمين ) حيث كان يخترق الحي ساقية بعرض متر تقريبا وبعمق دون ذلك وكانت هذه الساقية تصرف المياه القذرة ومياه الامطارعبر مجرى إلى خارج المدينة لذلك فليس هناك مايزعج بيوتنا بالرغم من بدائيتها وتخلفها وكان هذا في الثمانينات لكن الادهى ان الذي جاء ليكحل العين الرمداء  اعماها وسلب بصيص نورها نهائيا اذ ان المجاري التي انشأت في هذه الفترة ،علما انها ليس لها من ذلك سوى الاسم ، اذ هي عبارة عن سواقي مكشوفة من الاسمنت عرضها حوالي 30 سم وبنيت على اكتاف الشوارع وتقوم بتصريف المياه في حي المعلمين إلى فتحات / منهولات 40سم تتصل بانابيب تحت الارض ذات قطر 40 سم ثم تسحب بواسطة مكائن اعدت لهذا الغرض .          

اعتراض .... دون ان يسمعه احد !!!  

        وحاولنا ان نعترض على مشروع المجاري المكشوفة الذي لايقل بدائية عن سابقه في محاولة لتغيير مخططه وذكرنا لهم ان هذه التي تسمونها المجاري غير قادرة على تصريف المياه لاسيما وقد حولتم اكثر من نصف مجاري المدينة على هذه المنطقة (شارع الاربعين فقط ) فضلا عن الامطار وخصوصا امطار اذار ونيسان الكثيفة فهذا يعني غرق بيوتنا لآن الساقية السابقة رغم عرضها وعمقها بالكاد تصرف المياه .. فكيف تتمكن سواقيكم (30سم) هذه بالقيام بالمهمة فكان جوابهم انها اشياء فنية لايتدخل فيها احد .. وهذا يعني انكم جهلة لايحق لكم التدخل فيما لايعنيكم وسكتنا على مضض لآن الكل ،الذين راجعناهم، سامحهم الله ا قتنعوا بالتفسيرات (الهندسية) المآخوذة من سيناريو فلم هندي غير مترجم  ؟       

حي المعلمين ام حي الطين ؟    

  وحل موسم الامطار وبان العيب والخلل وامتنعت فتحات المجاري من استقبال المياه وتصريفها وتجمعت مياه الجزء الاكبر من المدينة في هذا الشارع فلم تجد بدا من الدخول إلى البيوت فاصبح الشارع وبيوتنا مسطحا مائيا امتد إلى الحديقة البائسة التي تقبع وراء هذا الشارع.. ياترى هل هي ممارسة ( لتيسونامي) مرتقب على حي المعلمين الذي اطلق عليه الناس استهزاء ( حي الطين) تقوم به الادارة ؟ ام بدأنا نجني  ( حنظل) الهندسة الحديثة ؟    

     ومع كل مطر تجود به السماء يضرب طوفان نوح حي المعلمين فينقطع الاتصال مع المدينة لآن خروجك من البيت لايمكن ان يتم اللهم الا اذا كنت تملك احد زوارق ( الكاياك) . لقد صدق الناس حينما اطلقوا على هذه ( السواقي/المجاري) اسم ( المعالف) تشبيها بالمعلف التي يبنيها الرعاة لوضع العلف فيها لآطعام ماشيتهم !! لذلك يضطر المسؤلون امام هذه الفضيحة لآستنفار موظفي البلدية والمجاري وسيارات سحب المياه لتصريفها اما اذا كان المطرفي الليل فتبقى المياه تتلاطم امواجها في بيوتنا وشوارعنا حتى يدركنا الصباح . وفي سبيل ان نكون منصفين لايمكن ان ننكر جهود الاخوان في المجلس البلدي وخصوصا السيد ( كاظم جرو ) والسيد (مطشر حمود)  اللذين يبذلان جهدا استثنائيا في حث المسؤولين على العمل في تلافي مايحدث كما انهما يشرفان مباشرة على تصريف المياه من المنطقة في مثل تلك الحالات التي تحاصرنا فيها  وتصاب فتحات التصريف بالعمى والرمد  لكثافة الميا ه التي تبدو كسيول جارفة وكأننا في منطقة استوائية فتفاعلا مع هذه المشكلة بعد ان تبين لهما خطأ التصميم والتنفيذ وان اعتراضنا عليها قبل تنفيذها كان في محله.                                                                  

   

سواقي .. وبالوعات ومجاري باريس !!

   والواقع ان الامور تجري وشأنها في المدينة فلم يحرك احد ساكنا  مع العلم اننا راجعنا كل (المنابر العالية) في سبيل معالجة معاناتنا ولكن ( جرح اللي بغيرك شدخ)  فالبيوت التي ترتفع اقدامها عاليا  تكون زخات المطر وعزف الريح بالنسبة  لسكانها بمثابة سلالم موسيقية من سيمفونية عالمية تهدهدهم (دللول .. يـ يبني دللول) فينامون على ايقاعها نوما مريحا ..ونحن وسط الريح والمطروالظلام الدامس نفرغ المياه المهاجمة بالاواني و( السطول) لئلا تدخل غرفنا لاسيما وانها دخلت مرحلة الشيخوخة فاضطرننا ان نبني سدودا امام ابواب بيوتنا لمنع تدفق المياه فيها لذلك فمراجعاتنا اشبه بـ (عواء ذئاب) لاتجدي نفعا، لا بل طالبنا بمعبر على هذه السواقي حتى يمكن مرور العربات التي تنقل مشترياتنا بسهولة فلم يعبأ احد مع العلم ان انشائها ضمن المقاولة !!فهل ياترى يلتفت الينا احد في مسألة المجاري ؟                                                                                               

    ومن الجدير بالذكر ان تلك السواقي التي اريد لها ان تكون مجاري ينتفي عملها عند سقوط الامطار وذلك لآن الشوارع نفسها تتحول إلى سواقي  تموج بمياه الامطار و تحوله نحو حي المعلمين إلى منطقة محدودة وهي ( شارع الاربعين) وكذلك ( شارع الاطباء) فيصبح حي المعلمين اشبه بـ ( سبتتنك )مكشوف للمدينة .   

      هل تصدقون انه في الثلاثينات قامت البلدية بمعالجة مشكلة الامطار  بحفر بالوعات في بعض الشوارع لتصريف تلك  ا لمياه  والبعض الاخرتمتصه الارض الترابية اويتسرب إلى النهر... في حين ان هذه السواقي التي تسمى عندنا( بالمجاري) صرفت عليها ملايين الدنانير يسد فوهاتها كيس من النايلون فتطفح مياهها تقهقه علينا ... ولوكان (الفنيون المهندسون) استبدلوا الانابيب ذوات قطر 40سم بانابيب قطرها متر واحد لهانت المشكلة ... ولكن : كما يقول الشاعر الشعبي ..  

           خرسه  التدك    بالباب           عميه التفك بيه    

           والخرسه عندهه عتاب           للعميه   تحجيه                                                                                                                           

مجاري الاخرين ملاجىء للمطلوبين :    

    ولا اغالي اذا قلت ان الملايين التي صرفت على هذه السواقي انها تعادل المبلغ التي صرفت على مجاري (باريس) بنقود ذلك الزمن  عند انشائها قبل مئات السنين (قبل الثورة الفرنسية في القرن 18) اذ كان قطر المجاري يبلغ عدة امتار لذلك كانت مكانا آمنا للسياسين للتخفي من مطاردة البوليس ( البربوني ) وكانت فصول قصة( البؤساء) للكاتب (هيكو) تدور احداثها في ممراتهااما في الوقت الحاضر فاصبحت اجزاء منها مكانا للنزهة النهرية بعد تنويرها . ونحن هنا في مجارينا تدور قصة مأساة حي المعلمين واحداثها بالالوان وعلى شاشة لاقياس لآ بعادها والكل يتفرج مجانا دون دفع تمن تذكرة الفرجة!!

      ومع انه من الجنون ان نقارن مدينة ( باريس) مدينة النور والثقافة بمدينة ( قلعة سكر) التي هي ناحية منسية في محافظة ذي قار وتحمل الهوية الجنوبية لكن هنا قارنت الاموال التي صرفت       

عليهما ( وربما تكون خاطئة ) الا ان المبالغ التي صرفت على هذه (المعالف) كان بامكانها ان توفر حلا لمشكلة المياه لكن الفارق بعد النظر والافتقار الى الجدية... ولانقل اكثر من ذلك.

.. اين الثرى واين الثريا ؟      

   لهذا بتنا في حي المعلمين نكره الصيف والشتاء بنفس الدرجة ..فنكره الصيف مع بقية اخواننا العراقيين بسبب درجات الحرارة العالية بوجود كهرباء قليلة والانكى من ذلك انها غالية ونكره الشتاء لآن امطاره تجعل من ساحات بيوتنا وشوارع مدينتنا بحيرات  ولكن بدون اسماك فاذا شاهدنا غيمة واقفة في سماء مدينتا اهتز كل واحد منا ( من قرنه إلى قدمه ) بسبب اهوال المياه التي لم تجربها القصور الفارهة. لذلك من حقنا ان نتسائل ماذا لو كانت هذه المليارات التي صرفت على  ا لمدينة في عهد اولئك الذين ذكرناهم ؟ هل يصبح حي المعلمين حيا للطين الذي يتهكم به علينا الاخرون ، سامحهم الله ؟ ام يجعلون له مشهدا جديدا يضاف الى مآثرهم التي لايجود زماننا العنيد بها.؟

   ورحم الله ( بولص سلامة ) اذ ترحم على الماضي لما قال:       

  يابسمة الفجر في داجي  ليالينا           ردي لنا قبسا من صبح ماضينا

   فما   ذكرنا الصبا ريان منطلقا          الا  تندت   مع    الذكرى  مآقينا     

  نلوي على غابر طار الزمان به         وكل   اصدائه    صداحة      فينا

    نعم لايعود من الماضي ولوقبس من صبحه..وتبقى المآقي تدمع على ذكراه ...مع اننا نحملها في اعماقنا تصدح فيها في ليل حزن لا تمحوه  شموس النهارات الملونة. .(فقري ياذكريات ونامي /السياب)..  وبالمناسبة: يرحمك الله يا (سياب) فأن مطرنا لم يعد   يعبر ...بنات الجلبي او يعبر بنات الباشا ،فقد اصبح على مدينتي نقمة ، وهو للعالمين.. من الله نعمة .. الا ان الفنيين لايقبلون تدخل الطفيلين ،فجاءت حساباتهم مدمرة  فدمروا بيوتنا بمياه الامطار لذلك كرهناه!واصبح ( الوالي هوالكحال / فأبشر بالعمى ياوطني ! ).              

نوري السعيد وقلعة سكر...وشاعر من اهلها..   

احتفل احد شعراء المدينة وهو المرحوم ( محسن علي الخطاب/ ابوثابت) عند قيام ثورة 14تموز1958 بقوله الذى  تعرض به لـ  (نوري السعيد) رجل الحكم الملكي القوي في العراق  هاجيا:

     ذهب ( السعيد ) ورهطه                   والخائنون إلى  سقر   

    اليوم      ننعم      بالهنا                   بشراك يا (قلعة سكر)     

     رحمك لله ياا باثابت، صحيح ان نوري السعيد ورهطه لهم اجتهادات سياسية وقف ضدها البعض لكن لا يمكن ان نوسمهم بالخيانة فقد حافظوا على وحدة البلاد ولم يتهاونواابدا في سيادته وسخروا امكاناتهم لآنتزاع مايمكن انتزاعه من بريطانيا ( التي لاتغيب الشمس عن مستعمراتها  

انذاك ) لخدمة العراق  الذي خرج توا من السيطرة العثمانية ولا نقول اكثر من هذا .. وهم خرجوا من الدنيا ولايملكون مايتناسب وثقلهم السياسي   .. فلا ارصدة في البنوك ولاسيارات فارهة او قصور منيفة .. ان نوري السعيد مات وهو مدين للمرحوم الشيخ الجليل (موحان الخير الله / شيخ الشويلات/الرفاعي) بمبلغ مائة دينار بموجب كمبيالة موقعة من نوري نفسه،وهو ربان السياسة العراقية ورجل بريطانيا المخلص كما يطلق عليه بعض مؤرخينا ! وهذايعني ان يده لم تمتد إلى اكثر من راتبه الرسمي وليست له في بورصة ( الخيانة) عمولات واسهم اذ لوكان كذلك لما اقترض من المرحوم (موحان الخير الله) هذا المبلغ الذي لايتناسب مع مركزه !اذن لا يقتنع احد بتهمة شاعرهام خياله في الوديان ؟.. ويظل هذه (الرهط ) يسير  رغم رياح الاكاذيب                                                                                                         والهراءيسير  في عمله.وفق  منطق العدل لدرجة ان   رئيس الديوان الملكي لما خاطب وزير المالية (رستم حيدر ) وهو سوري الاصل ،يطلب منه مبلغا قدره (800 دينار) فقط لتغطية نفقات زواج الملك ( غازي) لكن الوزير السوري اجاب بكل ادب : ان الميزانية العراقية ليس فيها صلاحيات للصرف  على ابواب كهذه .. فلم يقل رئيس الديوان ولا مليكه شيئا لهذا السوري (الغريب) شيئا لآن هذا مايقوله القانون الذي ينفذه رهط نوري السعيد !!بهذه الامانة حافظوا على المال العام ولم يبددوا  منها حتى لو طلب الملك منها شيئا بنفسه!! لآن الطلب غير قانوني كما انهم لم يعتادوا على طريقة :اعطوه الف درهم واوقروا ركابه فضة وذهبا واجعلوا ابنه في المرتبة الخاصة ،اوحاجبا للسلطان واراضي غامرة واخرى عامرة لآنهم لايتمكنون من خداع انفسهم بأنهم(ظل الله في الارض).                        

    وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية والاقتصاد العراقي مصاب بفقر الدم لابل اقتصاد العالم كله لكن ( الرهط الخائن! ) يأمر ببناء مستشفى في قلعة سكر في حين ان سكان المدينة دون الخمسة الاف وقد تحدثنا عن موقعه وجماله وكان فيه ردهتان واحدة للنساء واخرى للرجال وفيه وحدة للطب العدلي لذلك فأن ضحايا الحوادث وغيرها تشرح جثثهم فيه اما الآن فعليك ان تأخذ جثة ميتك إلى (ماوراء البحار) إلى مركز المحافظة حيث يتطلب الامر معاملة كمعاملة الطابو .. واخبرك يا ابا ثابت وانت في رحاب الله الآمنه لقد بيع هذا المستشفى وحل مايعرف بـ(مركز صحي) وهو دون المستشفى في تخصيصات الادوية وعدد الاطباء ، في حين ان نفوس المدينة اصبح الآن يقرب من 100الف نسمة اويزيدون وفي معظم الاحوال لا تجد الا طبيبا واحدا من المتخرجين  حديثا  في هذا المركز   للمئات من المراجعين علما انه لايوجد في المدينة اطباء اختصاص او صالة للولادة اذ في هذه الحالات مراجعة مراكز المحافظات حيث يتركز اطباء الاختصاص في العيادات وليحفظنا الله فيبدو ان القدر كتب على جبيننا كما كتب الاخوة السواق علي جبين سياراتهم تميمة وحرزا (سيري وعين الله ترعاك) اما اذا راجعت طبيب الاسنان لآجل قلع ضرس منخور فيجيبك بحياء : نأسف لايوجد مخدر فتضطر ان تحمل اوجاعك والامك وتختزنها لحين ان تفتح العيادات الخاصة عصرا لتدفع عشرة الاف دينار مهرا لقلع سن منخور عدا ثمن الادوية التي تشتريها من الصيدليات الخارجيه ياترى كم تكون الاجور لتبديل قلب متعب باخر سليم في عياداتنا الخاصة ؟ نتمنى ان لا تصل الينا هذه التكنلوجيا الطبية لآن ذلك يعني اما ان يبيع المريض بيته اذا كان له بيت او يبيع نفسه لذا فالموت افضل في الحالين !!            

طبيب واحد وكتائب من المرضى:  2011 

      وكما نحاول ان نضع ايدينا على مواضع الالم فأنه يجب علينا في نفس الوقت ان نشيرلمواضع الامل،فقد  حدث مرة ان ذهبت إلى المركز الصحي للعلاج في الثامنة والنصف صباحا فوجدت طابور المراجعين على شباك التذاكر يتلوى ويتطوى كافعى بين الممرات والغرف وكذلك على باب الطبيب فقررت الخروج عسى ان يخف الازدحام ورجعت في الساعة الحادية عشر فاذا العدد لم ينقص الا قليلا ولكن الامانة تدعونا ان نثني على ذلك الطبيب الشاب الذي لم يغادر غرفته ولم يبد مللا ولا كللا بل يتقبل اجوبة المرضى ولوكانت بعيدة عن سؤاله وخصوصا من كبار السن فكان يعاملهم بلطف انساني فعجبت لصبره واناته وازدحام المرضى ، لآنه حتى البعض من اطباء الاختصاص لايفعلونها في عياداتهم الخاصة   ،فسألت احد الموظفين عنه فقال لي انه طبيب ممارس  من مدينة بغداد/ الشعب / واسمه ( حيدر شكر محمد) فلم املك سوى الدعاء بديمومة ذلك الخلق الرفيع الذي يساعد على شفا ء المريض قبل الدواء ... انه شتلة طيبة في عالم تكاد تطغى عليه الماديات على حساب الانسانيات والتمايز في التعامل بين المستشفى الحكومي والعيادة الخاصة.. طوبى له ولآمثاله من الاطباء التي تتفق والسلوك المهني للاطباء الذي وضعه (ابوقراط)  الذي يطلق عليه ( ابو الطب )  في عملهم الانساني.                                                                                                 

ابن قلعة سكر مندوب العراق الدائم  في هيئة الامم!!

       ( يا ابا ثابت ) هذا مثال واحد لايصلح للقياس  ولكن سأبقى في الموضوع  و اضرب لك مثلا انت عاصرته.. الم يقبل رهط نوري السعيد ابن مدينتك ( عبد المجيد عباس الحيدري )في بعثة إلى امريكا دون ان يسأله احد هل:انت من (الاوس او الخزرج ) ؟ ولم يزكه هذا او عطى لذاك وردا وهدية حتى يقضي الامر !!!   وانما درجاته فرضت عليهم قبوله ولما عاد بشهادة الدكتوراه   تسنم عدة مناصب حتى صار وزيرا  للمواصلات 1954 ثم اصبح مندوب العراق الدائم في هيئة الامم المتحدة حتى عام 1958.. هكذا كانت تقدر الكفاءات ويعامل الناس وفق تحصيلهم وحصادهم.

    في حين يا( ابا ثابت ) ان لنا ابنة خريجة كلية التربية / العربية ) قدمت اوراقها إلى مديرية تربية ذي قار ومعدلها اكثر من (70 % منذ 2005 و6و7 و8 ) ولم تعين وانما عين من دون منها في  المعدل ( مع العلم ان الدرجات متوفرة ووصولات الاستلام نحتفظ بها )  .. ربما تسأل لماذا يحدث هذا؟ ..فأقول ربما لآننا لم ندخل ( دار ابي سفيان ) لثقتنا بأيماننا  ولم تكن من عادتنا  ان تستجي احد ا مادام الله سبحانه كفانا مؤونة الاخرين بجدنا وسعينا ولو اننا   من عملة قديمة لاتجد رواجا في السوق المعاصرالذ ي لم يعد من (موائد الله) لذلك  القيت اوراقها بسلات المهملات وقدمت كذلك في 6/2011 بعد ان اعلنت الوزارة وجود درجات لفرعها الذي صنف على التعليم الابتدائي والتعيين بالقرعة !! وانتظرنا اليوم الموعود من الساعة الثامنة حتى الساعة الثالثة عصرا حيث (تاخت) اجسامنا بعفن العرق والازدحام وانقطاع الكهرباء واستمرت القرعة و ( الجرخلة) حتى ذلك الوقت حيث فاجئنا السيد المد ير في هذ الوقت الذي تعامدت فيه الشمس( وانتعل كل شيىء ظله)ان قسم العربي غير مشمولين بالقرعة ... سبحان الله لماذا سمحتم لهم بالتقديم اذن وتصنيفهم على الملاك الابتدائي ؟  ثم لماذا تؤخرون هذا الاعلان إلى هذا الوقت وكان حريا ان يعلن على الناس منذ الصباح لا ان يبقوا معلقين على حبال لاتمت إلى التربية بشيىء؟ اما كان حريا بالسيد المدير ان يواسي الاخرين ويوعدهم ببذل الجهود لايجاد درجات اضافية تستوعب اعدادهم او بعضا منهم بدلا من تحنيطهم إلى هذا الوقت وكأنهم عمال (مسطر) فائضون عن الحاجة فيطردهم مهانين او شحاذين فاتتهم مواعيد تقسيم الصدقات ،فأرحموا في الارض يرحمكم من في السماوات ان هذه  الوسيلة ارخص طريقة لقتل الطموح في نفوس الخريجين العاطلين اذ جاءت السنين على شهاداتهم واصبحت ورقا اصفرا،ونسوا ماتعلموه في دراساتهم لآن كما يقول(ابوتمام )....( قلم البليغ بغير حظ مغزل ).فصارت اقلامهم مغازلا وشهاداتهم لا تصلح الا لعمل طيارات ورقية منها لتسلية اولاد ( الكرام الحلوين ) كما وانها في نفس الوقت محاولة غير محمودة  لوأد الامل في نفس الطلاب الدارسين في الجامعات حينما يشاهدون مئات  الالوف من خريجي الجامعات يبحثون عن لقمة عيش كريمة فلا يجدون سوى الاحباط واليأس قكيف يكون الامر لهم  بعد تخرجهم ؟ الامر الذي يوحي بأن هذه الطبقة المثقفة ليس لها مكان  على جدول اعمال الحكومة فلم تعبأ بهم اوتخصص لهم الدرجات الوظيفية .. انهم فائضون عن الحاجة ! اللهم الا من كان طائره في عنقه.

      يا (ابا ثابت) وانا ا عرفك انك ايضا تقرض الشعر الشعبي بالاضافة إلى الفصيح لذاسأصرخ   عاليا ولا ادري هل  ستسمع ؟( تعال وشوف عملات الفلك بينا) فماذا تصور من خيال بهذه الصرخة في قريضك وشعرك الشعبي ؟ فهل ستقول ..مهلا فأن الخير آت ! لا اصدقك بعد فقد صرنا ( كالخراف في الليلة المطيرة الشاتية) واصبحنا مؤسسة للضحك وخصوصا اولئك الذين يعتقدون ان مرتكزات الامس  من ( البخور الهندي)  والانتساب ( لبني مازن)   قد ا نتهي امرها ولم ندر ان امرنا هو الذي  انتهى وظللنا فقط اسم ورقم في ( البطاقة التموينية) التي تترنح ككسيح اخرج توا من غرفة العمليات وربما تلغى وتشطب سجلاتنا.. وربما   يصيبنا تصنيف جديد  بأننا من كائنات معينة لاحق لها بالعيش الا في زوايا النسيان.                                                                             

 لاهناء ولابشرى..انما اضغاث ا حلام :              اهذا ( الهنا ) الذي  و عدتنا به و البشرى التي تنبأت بها في شعرك  يا ابا ثابت ؟: فأذا كانت هذه نبوؤتك  فلا نريدنا .. وليرحمك الله وليلعن شعرك ... فبشارتك كذب واتهامك اكذب ولكن نجد في شعر ( د. نازك الملائكة ) بعض السلوىوالعزاء اذ تقول :                                                    

يا عام لاتقرب مساكننا فنحن هنا ضيوف / من عالم الاشباح،ينكرنا البشر/ويفر منا الليل ويجهلناالقدر/ونعيش اشباحا تطوف /نحن الذين نسير لاذكرى لنا/ لاحلم لا اشواق لا منى ...        

 

 واخيرا نشكو وحشة الطريق ...         نعم هكذا صارت (قلعة سكر) .. اذ حينما ترصد حياتنا الاجتماعية   تجدها رحلة موحشة متعبة وحين تبحث عن معطياتها فلا تجدها الاعند  الذين يملكون الاوراق الممهورة ففقدت الحياة ابتسامتها وقد استحكم عليها انكسار الحلم والاحباط والتقوقع في شرانق غليظة ولم يبق هناك من امل سوى ذكريات ماضي له جلاله .. اما الحاضر فلا ندري ما هو مخاضه .... ولكن نأمل ان يكون له مستقبله..        

                                                                                  كاظم باجي  الخالدي 

                                                                                    ذي قار /قلعة سكر             

                         تموز11 20                                                 متقاعد

****************************************************************
      التعليقات تعبر عن رأي اصحابها

 1 - وليد السعدي - وقفت احتراما امام اسمك استاذي العزيزكاظم باجي الخالدي ولا اخفي اني لم اتمالك دموعي التي لا اعرف سرها  فانت لم تكن لنا مدرسا فقط بل انت المدرسة كلها تعلمنا منك الجد والحرص والالتزام والاخلاق ولم ننساك ابدا

2-
ظافر حسن علي - أحيي استاذي الموقر كاظم باجي على هذا الشرح المفصل لتاريخ مدينتنا قلعة سكر ، واتمنى له العمر المديد وكل الخير والتوفيق في جميع مجالات الحياة

  3- عماد- جزيل الشكر لارسالك هذا الموضوع الغني الممتع المحزن فقد شدني ليس بمحتواه فقط وانما ايضا بطريقة العرض . نعم ربما توافق ان حالة قلعة سكر بالماضي والحاضر تشابه بصورة عامة حالات محلات ومدن عراقية اخرى، والطامة الكبرى بما يجري الان من تعميق للخراب . لقد  احتوى المقال ردودا لمن يعترض، وباختصار كما تفضلت هم الناس وقيمهم وللاسف ان التاريخ الماساوي للعراق منذ نهاية عهد اولئك النزيهين قد انبت الاعشاب الضارة في الحديقة العراقية لذا نعاني الان.. ومع ذلك اجد انه للان هناك من النماذج ذاتها لكنهم بعيدون عن موقع القرار والعمل فهذه الارض لن تعدم اشجارا مثمرة. شكرا مرة اخرى للمادة

 

 


     تعليقك ينشر كما هو فالرجاء تاكد من املاء الكلمات قبل الارسال