بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية

 


الأزمة ثمرة للمحاصصة الطائفية
الجزائري:
              

قال الرفيق مفيد الجزائري أن الأزمة المستعصية التي تئن بلادنا اليوم تحت وطأتها، هي ازمة بنيوية مرتبطة بنظام المحاصصة الطائفية – الاثنية. واضاف ان الطابع البنيوي للازمة يجعلها تتوالد دون انقطاع – ازمة تلد ازمة، وان لا سبيل لتجاوز هذه الحلقة المغلقة المدمرة، الا بالتخلي عن نهج المحاصصة الطائفية والقومية، وبالرجوع الى الشعب لهذا الغرض في انتخابات برلمانية تجرى قبل الاوان.
وبيّن أنه "لا معالجة جذرية للازمة، ولا ضمان لاستقرار الحكم فترة طويلة، ما جرى الانطلاق من نهج المحاصصة الطائفية، الذي هو اصل الازمة ومنبعها". واستدرك قائلا أنه "حتى التفكير بحكومة اغلبية تحل محل حكومة (الشراكة الوطنية) القائمة، لن ينفع في شيء ولن يغير من المعادلة، ما دام التشكيل يجيء وفقا لنهج المحاصصة ذاته. نعم، ستتغير الاشكال والوجوه والنسب، ويتغير اسم الحكومة نفسها، لكنها ستبقى حكومة محاصصة طائفية".
جاء ذلك في إجابة الجزائري على اسئلة طرحتها جريدة "الصباح" في هذا الخصوص، ونشرتها في ملحقها الاسبوعي "ديمقراطية ومجتمع مدني" الصادر يوم الثلاثاء 5 تموز 2011، وفي أدناه نص الإجابة:

أزمة بنيوية انتجها نظام المحاصصة الطائفية
الانتخابات المبكرة هي السبيل الآمن لتجاوزها

مفيد الجزائري
الازمة المستعصية التي تمر بلادنا ـ اليوم ـ بها وتئن تحت وطأتها، هي ازمة بنيوية ترتبط وثيقا بنظام المحاصصة الطائفية والإثنية. وبما انها بنيوية فانها تتوالد من دون انقطاع – ازمة تلد ازمة. حيث ان معالجاتها تعتمد نهج المحاصصة نفسه، لذلك تأتي التسوية التي يتم التوصل اليها مؤقتة، وتفضي من ثم الى ازمة اخرى، بغض النظر عن الاسم والعنوان. فلا معالجة جذرية للازمة، ولا ضمان لاستقرارالحكم فترة طويلة، ما جرى الانطلاق من نهج المحاصصة الطائفية، الذي هو اصل الازمة ومنبعها.
حتى التفكير بحكومة اغلبية تحل محل حكومة "الشراكة الوطنية" القائمة، لن ينفع في شيء ولن يغير من المعادلة، ما دام التشكيل يجيء وفقا لنهج المحاصصة ذاته. نعم، ستتغير الاشكال والوجوه والنسب، ويتغير اسم الحكومة نفسها، لكنها ستبقى حكومة محاصصة طائفية.
نعم، لا مخرج من الازمة حقيقيا، شافيا، ضامنا لاستقرار الحكم والاوضاع عموما، من دون التخلي عن المحاصصة الطائفية والقومية، والتوجه نحو اقامة الديمقراطية المنشودة على اساس اتفاق سياسي. اتفاق يستند الى الوزن السياسي لكل طرف، والى برنامج يعبر عما هو مشترك لدى الاطراف ، ويحدد اهدافها المشتركة بوضوح.
طبيعي ان هذا غير ممكن التحقيق في ظل الوضع القائم، وفي اطار التشكيلة الحالية لمجلس النواب، المستندة الى نتائج انتخابات 7 آذار 2010، بكل ما رافق تلك الانتخابات من سوء ادارة وشكوك وعدم اطمئنان الى عدالة النتائج، ومن تدخلات اقليمية ودولية سافرة بوسائل شتى بضمنها المال السياسي، والتي جرت وفق قانون انتخابات يتعارض مع مباديء الدستور.
لذلك والى جانب ما اوردناه في اعلاه، لا نرى حلا مقبولا وممكنا للازمة القائمة من غير الرجوع الى الشعب، صاحب الشرعية الاساسية والحق المطلق في اختيار طريقه وتقرير مستقبله، ومن غير سلوك السبيل الدستوري الديمقراطي وغير العنفي. حيث يتوجب في حال وقوع البلاد في ازمة مستعصية، واستنادا الى نص المادة 64 من الدستور والى روح الدستور عموما، اجراء انتخابات برلمانية مبكرة.
هذه الانتخابات ستجنب البلاد المخاطر وكل ما قد يقود الى عدم الاستقرار، وستتيح لها فرصة ولوج طريق جديد، يمكن ان تتوفر فيه مستلزمات افضل وشروط مؤاتية، لتشكيل حكومة – قيادة تعبر عن مصالح اكثرية الشعب، دون تجاهل حقوق الاقلية فيه، السياسية وغير السياسية.
تلك هي رؤيتنا. وهي تنبع من الطموح الى حل يجنب البلاد السقوط في هاوية الاحتمالات الخطيرة، كما تستبعد شبح التقسيم، فالانتخابات المبكرة هي البديل الديمقراطي السلمي الآمن لكن اعتماد خيار الانتخابات المبكرة هذا لن يؤتي أكله من دون إقرار قانون انتخاب جديد، يلغي التعديلات التي ادخلها مجلس النواب السابق في 2009 على القانون الاصلي، والتي اعتبرتها المحكمة الاتحادية لاحقا غير دستورية، ويقضي باعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة، وباعتماد مبدأ النسبية في توزيع المقاعد. كذلك ينبغي ان يسبق اجراء الانتخابات اقرار قانون الاحزاب، واختيار مجلس مفوضين جديد لمفوضية الانتخابات، وانجاز التعداد العام للسكان. وهذه في معظمها اجراءات يتوجب ان يقوم بها مجلس النواب، قبل ان يخلي المكان للمجلس الجديد الذي ستأتي به الانتخابات.
وقد ازداد محبذو خيار الانتخابات المبكرة باضطراد في الآونة الاخيرة.
الا ان هناك من لا يزالون يتحفظون عليه: بعض بسبب "كلفته المالية العالية". فالعملية الانتخابية تتطلب حوالي 300 مليون دولار، وهذا مبلغ لا يستهان به. لكن عملية حسابية بسيطة اجريناها اخيرا بالارتباط مع ارتفاع اسعار بيع نفطنا الخام في الاسواق العالمية، اظهرت ان مجرد فارق خمسة ايام بين الزيادة المذكورة في اسعار النفط الحالية، وسعره المخمن في موازنة الدولة للسنة الحالية، يوفر المبلغ المذكور كاملا.
ويرفض بعض آخر خيار الانتخابات، بدعوى الخشية من ان يؤدي اعتماده الى "ارباك الاوضاع" في البلاد و"زيادتها تعقيدا". والحال ان ارتباك الاوضاع القائم وتعقدها وتأزمها، وشبح المزيد من تدهورها الذي يلوح بالفعل في الافق، هو ما يثير اشد المخاوف ويدفع الى البحث عن مخرج عاجل وآمن.
ويشكك فريق ثالث في جدوى الانتخابات المبكرة اصلا، مؤكدين انها لن تأتي بجديد، وان مجلس النواب الذي ستتمخض عنه لن يختلف في شيء عن المجلس الحالي! وهذا التأكيد غريب حقا، فهو ينطلق من استهانة مطلقة بالناس – الناخبين وبعقلهم، وبقدرتهم على الاستفادة والتعلم من تجاربهم، وعلى النظر الى الامور بواقعية ورؤيتها على حقيقتها، والتمييز بين الصالح فيها والطالح، والتعامل معها بموضوعية ومسؤولية. صحيح ان حصيلة الانتخابات المقترحة لن (ولا يمكن بين عشية وضحاها ان) تقلب الامور في السلطة التشريعية رأسا على عقب، الا انها لا يمكن بالمثل ان تأتي - بعد تجربة الخمسة عشر شهرا الماضية المريرة - بنتيجة مطابقة لما اسفرت عنه انتخابات السنة الماضية. خاصة اذا سبقتها الاجراءات المشار اليها اعلاه في شأن قانون الانتخاب وقانون الاحزاب والمفوضية والتعداد السكاني.
في النهاية وفي كل الاحوال، تبقى قضية الانتخابات المبكرة قضية رأي عام بمعنى الكلمة. قضية تستحق ان يسعي الرأي العام عندنا من اجلها، ويعمل على تشكيل مناخات ضاغطة في اتجاه حل الازمة – المعضلة، التي تثقل كاهل البلاد وتهدد مستقبلها، انطلاقا من نص الدستور وروحه، وعدم التلكؤ والسماح بانفجارها، مع ما يمكن ان ينجم عن الانفجار من عواقب خطيرة.