بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية


                                
 100 ثانية و..ثالثة

نـــــــــــــــــــــــزار حيدر

NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM

 

   قد يكون من الانصاف ان ياخذ المواطن العراقي بنظر الاعتبار محدودية الفترة الزمنية التي قضاها جل الوزراء الحاليين في وزاراتهم، عندما يريد ان يقيم اداءهم، ولكن، هل من الانصاف ان نساوي بينهم وبين من قضى لحد الان قرابة ست سنوات في موقعه؟ واخص بالذكر السيد رئيس الوزراء؟ هل من الانصاف ان نقيم اداءه بذات المعيار الذي نقيم فيه اداء وزرائه؟ فناخذ بنظر الاعتبار محدودية فترة المئة يوم الماضية فقط؟ لا يعقل ذلك وليس من الانصاف في شئ، اليس كذلك؟.

   لقد احتج المالكي على زملائه في العملية السياسية عندما اصر على التجديد له لولاية ثانية، بقوله انه يريد ان يحافظ على ما انجزه في الدورة الاولى، ليواصل مشواره الى الامام، مكملا المنجز ومحققا الاهداف والبرامج، فهو لا يريد ان يخلفه من سيبدا من الصفر، فالظرف لا يتحمل ذلك، ما يعني انه تبنى السنوات الاربع الاولى من وزارته، فاذا بنينا تقييمنا بالزامه بما الزم به نفسه، على حد قول المناطقة، فكيف يطلب منا اليوم ان نقيم اداءه على اساس محدودية مهلة المئة يوم المنصرمة فقط؟ او اننى سوف لن ننصفه اذا تجاهلنا ذلك؟.

   لقد استغربت جدا من كلامه في جلسة مجلس الوزراء يوم امس، وهو يدعو المواطنين الى انصاف الحكومة بتقييمهم لادائها في المهلة المعلنة، اذ كيف يطلب من الشارع العراقي ان يقيم اداءه شخصيا على اساس المئة يوم الاخيرة فقط، فاين يمكن ان يضع، اذن، الاعوام الستة الماضية التي قضاها رئيسا للحكومة؟.

   اقول هذا مع الاخذ بنظر الاعتبار ان المشكلة الكبيرة التي يمر بها العراق حاليا، والتي تتعقد يوما بعد آخر، ليست في اداء شخص ما من بين المسؤولين، وانما يتحملها كل القادة والسياسيين، خاصة زعماء الكتل الذين قضوا لحد الان مدة اكثر من ثمانية اعوام في السلطة وهم يحاولون حل مشاكلهم وتطويعها لخدمة الصالح العام، ولكن من دون نتيجة، لان العلة تكمن في طريقة تعاملهم مع المشاكل وكذلك في طريقة تعاملهم مع العملية السياسية وفي ادارة الدولة، وهذا ما اشارت اليه المرجعية في بيانها الذي صدر عنها في اليوم التالي ليوم الغضب العراقي، عندما حذرت من مغبة (الاستمرار في النهج الحالي في ادارة الدولة).

   واقول بصراحة، فلو انهم استمروا على نفس الطريقة من دون السعي لتغييرها بشكل حقيقي فان العراق تنتظره كارثة لا يعلم الا الله تعالى مدى حجم دمارها للبلد، فالعلة في الطريقة والاسلوب والادوات، وان استمرارها سينتج خرابا لا محالة، فاما ان تتغير الطريقة او ان يقلب العراقيون راس المجن على كل هؤلاء الزعماء ويستبدلونهم بآخرين، مصممون على تغيير الطريقة والاسلوب والادوات، وقبل كل ذلك، تغيير العقلية في ادارة البلد.

   فلقد روى لنا التاريخ ان احد (خلفاء المسلمين) الفاسدين والظالمين من بني العباس لزمه الارق فلم ينم الليل، فنادى على احد سماره ليسمعه قصة تطرد عنه الارق فيخلد الى النوم، فقص عليه الحكاية التالية، قائلا:

   يا امير المؤمنين؛ كان بالموصل بومة، وبالبصرة بومة، فخطبت بومة الموصل بنت بومة البصرة لابنها، فقالت بومة البصرة، لا اجيب خطبة ابنك حتى تجعلي في صداق ابنتي مئة صنيعة خربة، فقالت بومة الموصل: لا اقدر عليها، لكن ان دام والينا سلمه الله علينا سنة واحدة، فعلت ذلك.

   وانا اجزم، لو دام والينا مئة يوم اخرى فسيسلمنا العراق يبابا.

   لقد انتظر العراقيون ان يلمسوا اقل جدية عند المسؤولين، سواء في مجلس النواب او في الحكومة، وبمعنى آخر عند زعماء الكتل الذين يستحوذون اليوم بقضهم وقضيضهم على كل مؤسسات الدولة، بل حتى على عقول وارادات اعضاء كتلهم السياسية والبرلمانية، الا ان الذي حصل هو عكس ذلك تماما، فلقد سعى الجميع الى ان يضحكوا على ذقن المواطن، ظنا منهم بانه ينسى بسرعة فلا يتذكر وعودهم التي قطعوها له في يوم الغضب (25 شباط) فمثلا:

   اولا: لم يشرع مجلس النواب في مدة المئة يوم المنصرمة اي قانون من القوانين التي الح عليها الشارع كاثبات لحسن نوايا القادة، مثل قانون رواتب الدرجات الخاصة، وعلى وجه التحديد الرئاسات الثلاث والوزراء والنواب، او تعديل قانون الانتخابات او قانون الاحزاب او قانون حماية الصحفيين، او اي قانون آخر من هذا القبيل.

   ثانيا: بل على العكس من ذلك فلقد صادق المجلس على اسوأ قرار عندما صوت على ثلاثة نواب للرئيس، القرار الذي جاء وبشكل واضح وصريح بالضد من ارادة الشارع وبالضد من ارادة المرجعية الدينية، ما يعني انهم لم يتعلموا الدرس من يوم الغضب وانهم لازالوا في واد والشعب في واد آخر.

   ثالثا: اما الحكومة فقد فشلت في تحقيق اي انجاز يذكر، خاصة على صعيد الخدمات، فلا الكهرباء بقيت على حالها، اعيد الجملة، فلا الكهرباء بقيت على حالها، ولم اقل تتحسن، لانها تراجعت اليوم عما كانت عليه قبل المئة يوم المنصرمة، ولا البطاقة التموينية بقيت على حالها، فهي الاخرى تراجعت بشكل مذهل، كما ان المواطن لم يلمس اي تحسن لا في مياه الشرب ولا في البيئة ولا في التعليم ولا في الصحة ولا في الاعمار واعادة البناء، ولا في اي شئ آخر، كما انها فشلت في التخفيف من حدة الفساد المالي والاداري الذي يستشري يوما بعد يوم في مفاصل الدولة، كان آخر فضائحه ما جرى في البنك التجاري العراقي.

   كما ان الحكومة فشلت في تحقيق تحسن ملموس في الوضع الامني، فلقد تزايدت عمليات الاغتيال بالكواتم وعمليات القتل بالصواريخ والمفخخات والعبوات الناسفة واللاصقة بشكل زاد عما كان عليه الحال من قبل.

   كذلك، فانهم فشلوا في حل ابسط مشاكلهم، ففشلوا مثلا في الاتفاق على تسمية الوزراء الامنيين، وهو الامر الذي يمكن اعتباره اليوم البارومتر الذي نقيس عليه مدى اتفاقهم او تنازعهم، بل وحجم نزاعاتهم.

   لدرجة، ان سيادة العراق تحولت، في ظل هذه النزاعات، الى كرة في ملعبهم يتقاذفونها بين ارجلهم بطريقة مجة، ولعل الدليل الابرز بهذا الشان هو موضوع الميناء الكويتي.

   الشئ الوحيد الذي حققه (الزعماء) هو تثبيتهم لعبارة (سوف) في كل المشاريع المقترحة، فلم نعد نسمع من البرلمان والحكومة وبقية مؤسسات الدولة، المركزية منها او المحلية، سوى كلمة (سوف) فمثلا؛

   سوف يزيد العراق من صادراته النفطية، وسوف تتحسن الكهرباء، وسوف نبني مدارس وسوف نبني جامعات وسوف نبعث زمالات الى الخارج وسوف يشرب المواطنون الماء الصالح للشرب وسوف يتحسن قطاعي الزراعة والصناعة وسوف نتفق على تسمية الوزراء الامنيين وسوف يناقش مجلس النواب القوانين المهمة التي تصب في خدمة المواطن وسوف نقضي على البطالة وسوف وسوف وسوف.

   ولذلك اعتقد بان على المواطن ان يمنح (السياسيين) درجة كاملة (100%) على عبارة (سوف) ودرجة (صفر%) على كل شئ آخر.

   اين الخلل اذن؟.

   برايي فان الخلل يكمن بما يلي؛

   اولا: في طريقة تشكيل الحكومة، والتي تسمى بحكومة الشراكة الوطنية، فان هذا النوع من الحكومات تولد ميتة (فاشلة) لانها تلغي اي نوع من انواع المعارضة تحت قبة البرلمان، ما يلغي دور الرقابة والمحاسبة الذي يجب ان يضطلع به مجلس النواب ازاء عمل الحكومة وانجازاتها ومشاريعها.

   ان حكومة بلا معارضة لهي حكومة فاشلة بلا نقاش، ولقد جربنا حكومتين سابقتين تم تشكيلهما بهذه الطريقة وها نحن الان نجرب الحكومة الثالثة.

   ثانيا: المحاصصة التي تتستر على الفساد والفشل والارهاب، هذا الثالوث المشؤوم الذي يمكن اعتباره اس المشاكل حاليا، فبسببه، مثلا، يتحدث رئيس الحكومة بالرموز عندما يتحدث عن الارهاب، لانه يخشى ان يذكر اسما فيزعل عليه (زعيم القبيلة) الذي تحاصص معه المواقع، وبسببه كذلك يتحدث رئيس مجلس النواب بالرموز فلا يفصح او يضع النقاط على الحروف عندما يتحدث عن فشل ما في الاداء الحكومي، لانه يخاف ان يزعل عليه (الشيخ القبلي) الاخر الذي تحاصص معه المواقع السيادية، وهكذا.

   لقد توقع العراقيون ان يبادر رئيس الوزراء الى اقالة عدد من الوزراء مثلا او المدراء العامين او بعض المسؤولين في هذه الدائرة او تلك، بعد انتهاء مدة المئة يوم، كابسط التزام بوعوده التي قطعها للشعب في محاربة الفساد وابعاد الفاشلين وكذلك المتورطون بالارهاب، اذا به يفاجئ الجميع بعدم فعل اي شئ من هذا القبيل، انما اكتفى بتمديد المهلة بمئة يوم اخرى، ليس لانه لا يريد، بل على العكس فقد لمح في اكثر من حديث خلال مدة المهلة الى وجود مثل هذه الحالات بكل تاكيد، ولكن لانه لا يقدر، وتلك هي المصيبة، فرئيس الوزراء الذي لا يقدر على اقالة وزير كيف له ان يحاسبه او يحمله الفشل، مثلا؟ لان المحاسبة التي لا تنتهي في اغلب الاحيان بالاقالة هي ليست محاسبة ابدا وانما عتاب؟ فهل يتحمل الوضع الحالي عتابا ام بحاجة الى محاسبة صارمة؟.

   كلهم يتحدثون بالرموز والطلاسم، وان على المواطن ان يتعلم فن فك الطلاسم وقراءة الفنجان وتحضير الارواح والجن ليعرف ماذا يقول هذا المسؤول او ذاك، عندما يتحدث احدهم عن الفساد والارهاب والفشل.

   وعندما يتم التستر على الفساد والفشل والارهاب، فهل يمكن لنا ان نتوقع نجاحا او تحسنا في الاداء؟ بالتاكيد كلا والف كلا، لان هذا الثالوث لا يمكن ان نضع له حدا اذا غابت الرقابة الصارمة والمحاسبة الدقيقة.

   لقد قال جمعهم بانهم سيعتبرون بيان المرجعية، الذي عبر عن نبض الشارع بشكل دقيق وحقيقي بعيدا عن المجاملات والتهويل والتقليل من شان اي شئ، خارطة طريق للفترة القادمة وانهم سيضعونه نصب اعينهم، سواء تحت قبة البرلمان او على طاولة مجلس الوزراء، اذا بهم يعملون عكس الاتجاه، فمثلا:

   دعت المرجعية في بيانها مجلس النواب والحكومة الى اتخاذ خطوات جادة وملموسة في سبيل تحسين؛

   الف: الخدمات العامة ولا سيما الطاقة الكهربائية ومفردات البطاقة التموينية وتوفير فرص العمل للعاطلين ومكافحة الفساد المستشري في مختلف دوائر الدولة.

   ثانيا؛ وقبل هذا وذاك، على حد قول بيان المرجعية، اتخاذ قرارات حاسمة بالغاء الامتيازات غير المقبولة التي منحت للاعضاء الحاليين والسابقين في مجلس النواب ومجالس المحافظات ولكبار المسؤولين في الحكومة من الوزراء وذوي الدرجات الخاصة وغيرهم.

   جيم؛ الامتناع عن استحداث مناصب حكومية غير ضرورية تكلف سنويا مبالغ طائلة من اموال هذا الشعب المحروم والغاء ما يوجد منها حاليا.

   فاية واحدة من هذه الفقرات انجزها المسؤولون؟ او حتى جعلوها من اولوياتهم؟ بل انهم زادوا الطين بلة، اذا بكل ما ورد في البيان تقهقر الى الوراء خطوات كثيرة.

   هذا يعني انهم كذبوا حتى على المرجعية، فضلا عن الشعب، عندما تعاملوا مع بيانها كحبر على ورق، واعطوا نداءها اذن صماء، ولذلك فان على المرجعية ان تعيد النظر في موقفها الداعم والمؤيد لهم، وان تنتقل من مرحلة الاكتفاء بالسكوت والتعامل السلبي معهم من خلال رفض اللقاء بهم، كما حصل لعدد منهم لحد الان، الى مرحلة الفعل، بل ان عليها، على ما اعتقد، ان تبادر الى الدعوة للتظاهر وقيادة الشارع بنفسها، بعد ان ثبت لها بان الكلام لا يجدي نفعا معهم، فما (حيلة المضطر الا ركوبها) كما يقول المثل، فعندما لا ينفع الكلام ياتي دور الفعل، ولا فعل اليوم امضى من التظاهر في الشارع للتعبير عن الغضب على نقض العهود وعم الوفاء بالوعود، فقد ينفع الفعل هذه المرة فيجبرهم على تحسين الاداء والاعتذار للشعب والمرجعية على ما قصروا بحقهم.

   لقد حان الوقت لان تضع المرجعية نصب عينيها قول امير المؤمنين عليه السلام {وما اخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم}.

   لقد احترم الشارع العراقي في المرة الماضية راي المرجعية وحرصها الشديد على ان لا يستغل ضعاف النفوس التظاهرات التي كان من المزمع ان يشترك فيها ملايين العراقيين، فاكتفت فئة بالمشاركة وامتنعت اخرى عنها، لتعطي المسؤولين الفرصة الكافية للتصحيح والاصلاح والتعديل والتبديل قبل ان تقرر النزول الى الشارع مرة اخرى، وبقوة هذه المرة، ولذلك اعتقد ان على المرجعية وعلى القيادات التي خففت من غلواء اندفاع الشارع في المرة السابقة، كالصدر، الى ان تاخذ هذه المرة زمام المبادرة لقيادة الشارع قبل ان يندفع الشارع بشكل غير منضبط فيضر اكثر مما ينفع، وعندها فليس عليه من عتاب ابدا، فللصبر حدود، كما يقول المثل، اذ لا يعقل ان يستمر الحال على ما هو عليه اليوم مئة يوم آخر، والمرجعية لا تحرك ساكنا.

   لقد حذرت المرجعية في بيانها من مغبة الاستمرار على نفس النهج، وها هي الايام تثبت بالدليل القاطع بانهم مستمرون على نفس النهج فكيف ستترجم المرجعية تحذيرها لهم؟ وما هو الفعل الواقعي على الارض الذي ستبادر اليه في هذه الحالة بعد ان ثبت لها بانهم مستمرون في غيهم معصوبي العيون لا يرون شيئا ولا يستمعون الى احد؟.

   ماذا ستفعل المرجعية التي ضبطت الشارع في المرة الماضية من اجل المصلحة العامة؟ هل ستستمر في ضبط الشارع بنفس الطريقة؟ بلا فعل وبلا نتائج ملموسة؟ وماذا اذا رفض الشارع ذلك؟ كيف ستتحمل المرجعية المسؤولية وتاخذ الامور على عاتقها؟.

   ان عيون العراقيين متسمرة ازاء المرجعية، لتعرف ما اذا كانت ستبادر ام تكتفي بالموقف السلبي الذي لا يعتقد كثيرون بانه سينفع هذه المرة كذلك، بعد ان اثبت السياسيون انهم يتنازعون على المناصب وليس على تحقيق مصالح الناس وانجاز اهدافهم؟.

   8 حزيران 2011

نــــــــــــزار حيدر لقناة (السلام) الفضائية العراقية، مخاطبا السياسيين:

احذروا المزايدات على امن البلد

    حذر نـــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، الكتل السياسية في العراق من مغبة ظاهرة المزايدات على حساب امن البلد واستقراره ومصالح المواطن وحاجياته اليومية، داعيا زعماء الكتل الى ان يتحدثوا بصوت مرتفع بشان موقفهم من التمديد للقوات الاميركية، فلا يسروا شيئا ويعلنوا نقيضه، فان العراقيين سيكتشفوا تناقضاتهم ونفاقهم ان عاجلا ام آجلا، وعندها سيحاسبونهم حسابا عسيرا.

   واضاف نــــزار حيدر الذي كان يتحدث اليوم على الهواء مباشرة لقناة (السلام) الفضائية العراقية في برنامج (السلام والحدث):

   ان المكان الطبيعي لمناقشة موضوع التمديد من عدمه، ونوعيته ومدته وفحواه وكل تفاصيله، هو مجلس النواب حصرا، على غرار ما حصل في المرة السابقة، عندما شرع المجلس الاتفاقية الامنية والاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة والتي كانت قد صادقت عليها الحكومة وبعثتها اليه لتصديقها وتشريعها، اما ان تتراشق الكتل السياسية وتسعترض عضلات (الوطنية) في وسائل الاعلام، فهذا امر مرفوض جملة وتفصيلا، لانه يعرض امن البلد للخطر، فالمزايدات والخطاب الاعلامي لا يساهم في اتخاذ القرار الحكيم والصحيح والسليم في واحدة من اخطر القضايا التي تمس امن البلد وسيادته واستقلاله ومستقبله.

   يجب على مجلس النواب ان ياخذ بزمام المبادرة بيده، فيناقش الامر بهدوء وروية بعد ان يستمع الى الخبراء والفنيين في الوزارات الامنية، وتحديدا في وزارتي الدفاع والداخلية، والذين سيحددون حاجة العراق للتمديد من عدمه من الناحية اللوجستية فقط، اما القرار السياسي بشان هذا الموضوع فيعود الى مجلس النواب الذي سيناقش القرار الذي ستتخذه الحكومة العراقية بهذا الشان، والتي ستاخذ بنظر الاعتبار كذلك موقف الراي العام العراقي الذي يكره، بكل تاكيد، ان يرى، ولو ليوم واحد اضافي، قوات اجنبية في بلاده، واذا كان لابد من تحقيق التوافق السياسي بهذا الصدد، فانه قائم وموجود سواء تحت قبة البرلمان او في مجلس الوزراء، فما الداعي، اذن، للتراشق والمزايدات والنزاعات الفارغة؟.

   عن الحال القانونية لتواجد القوات الاميركية في العراق في حال اتخذ قرار التمديد لها، قال نـــــزار حيدر:

   اولا: يجب ان نتذكر بان حالة الاحتلال التي كانت توصف بها القوات الاجنبية في العراق قد انتهت بدخول الاتفاقية الامنية والاستراتيجية الحالية بين بغداد وواشنطن حيز التنفيذ قبل اكثر من عام، ولهذا السبب فاذا تم التمديد لهذه القوات، على اساس اتفاقية جديدة، وضمن الشروط الجديدة التي سيتم الاتفاق عليها بين بغداد وواشنطن، فعندها سوف تطلق عليها صفة (قوات صديقة) تختلف مهامها كليا عما هو الحال عليها لحد الان، حالها حال اية قوات اخرى موجودة في اي بلد آخر تربطه بالولايات المتحدة علاقات استراتيجية، وكلنا نعرف بان هناك اكثر من (1000) قاعدة عسكرية اميركية في اكثر من (130) بلدا حول العالم، وفي عدد من القارات، بما فيها اوربا والاميركيتين واستراليا، مر على بعضها اكثر من نصف قرن كما هو الحال بالنسبة الى القواعد العسكرية الاميركية الموجودة في اليابان والمانيا وكوريا الجنوبية، اما بالنسبة للبلاد العربية، فان في اغلبها قواعد عسكرية اميركية بما فيها دول الخليج الست والاردن ومصر والمغرب وغيرها، كما ان هناك العديد من القواعد العسكرية الاميركية في عدد من الدول الاسلامية وعلى راسها تركيا، ولا ننسى هنا دولة قطر التي فيها اكبر قاعدة عسكرية اميركية في العالم والتي تغطي جغرافيا ثلثي مساحة الامارة.

   اذا ما تقرر التمديد للقوات الاميركية، فسوف لن تكون قوات مقاتلة باي شكل من الاشكال، كما انها سوف لن تتواجد في الشارع العراقي ابدا وانما داخل معسكراتها فقط، وستنحصر مهامها في التدريب والدعم اللوجستي للقوات العراقية والاجهزة الامنية، وربما من هذا المنطلق تتجه الحكومة العراقية للتمديد، طبعا بالاضافة الى مهامها الامنية كحماية السفارة الاميركية في بغداد.

   ان التمديد للقوات الاميركية في العراق من عدمه هو قرار سيادي لا يحق لاحد كائنا من كان ان يتدخل فيه، سلبا او ايجابا، كما ان على الولايات المتحدة الاميركية نفسها ان لا تمارس اي نوع من الضغط على الحكومة العراقية، باتجاه التمديد، ولتدع مؤسسات الدولة العراقية تاخذ وقتها اللازم والكافي لدراسة الموضوع قبل التسرع في اتخاذ القرار الخاطئ، فواشنطن تعرف اكثر من غيرها، مدى صعوبة الوضع السياسي المعقد في العراق والمأزوم بما فيه الكفاية، وهو لا يتحمل ازمة جديدة قد تعصف به وتدفعه باتجاه الانهيار، وهو الامر الذي ليس لصالح احد ابدا.

   يجب ان يتخذ القرار تحت قبة البرلمان في اطار الدستور حصرا، وتحديدا في اطار المادتين الدستوريتين  7؛ ثانيا، و8 والتي تحرم ان يتحول العراق الى منطلق للعدوان على جيرانه باية صورة من الصور، فالعراق الجديد لا يريد ان يكون بؤرة ازمات متتالية في المنطقة والعالم كما كان عليه الحال في عهد النظام الديكتاتوري البائد.

   ان العبرة ليست في التمديد من عدمه، فكما قلنا سلفا، فهناك قرابة (130) دولة حول العالم تتواجد فيها قوات اميركية بشتى الصنوف، وانما العبرة في نوعية التمديد، فاذا جاء هذا التمديد على حساب سيادة العراق فيجب ان يقاوم بشتى السبل والطرق، اما اذا جاء التمديد متناغما مع احتفاظ العراق بقراره السيادي على ارضه ومياهه واجوائه، وهو المامول في حال التمديد، فان ذلك امر لا ضير فيه، وربما سيكون لصالح امن العراق واستقراره، لا ادري، فان الامر متروك، كما اسلفت، الى مجلس النواب بعد ان يستمع الى الخبراء والفنيين في الوزارات الامنية، وهو سيشبه حال التواجد العسكري الاميركي في اي بلد من بلدان العالم، والتي بعضها منافس عنيد للولايات المتحدة، ان على الصعيد الاقتصادي او التكنلوجي او السياسي او حتى العسكري في بعض الاحيان، كما هو الحال بالنسبة الى المانيا واليابان وكندا واستراليا وغيرها من دول العالم الصناعية.

   من جانب آخر، اعتبر نــــزار حيدر، ان مصادقة مجلس النواب على نواب الرئيس، يمثل الحد الفاصل الذي فرق بين الاتجاه الذي تسير فيه الكتل السياسية والاتجاه الذي يسير فيه الشعب العراقي تتقدمه المرجعية الدينية التي كانت قد تحدثت بلسان العراقيين عندما دعت في بيانها في شباط المنصرم الكتل السياسية الى التوقف عن استحداث المناصب الزائدة التي تستنزف ميزانية البلد على حساب محرومية العراقيين.

   لقد اثبتت الكتل السياسية، بهذا القرار، وبما لا يدع مجالا للشك، انها لا تتنافس فيما بينها من اجل المسارعة لتحقيق مصالح الناخب وتحسين حياته المعيشية، فهي لا تتنافس في برامجها الانتخابية الحقيقية ابدا، لتوفير فرص العمل مثلا والتعليم وتحسين الدخل اليومي للفرد العراقي وتحسين الخدمات، وانما هي تتنازع على المناصب فقط، فاذا حصل احدهم على منصب عاد الى منزله من دون ان يفكر بانجاز ابدا، خاصة وان الكثير من هذه المناصب وهمية وليست حقيقية، الهدف منها هو ترضية هذا الطرف او ذاك، وليس من اجل تحسين اداء مؤسسات الدولة.

   ولانها تتنازع على المناصب، لذلك بقيت الحكومة عرجاء لم تكتمل حقائبها الوزارية لحد الان على الرغم من مرور قرابة عام ونصف العام على الانتخابات النيابية الاخيرة، كما ان الازمة الخانقة بين الكتل في تزايد يوما بعد يوم، ما يعني انهم يكذبون على العراقيين عندما يقولون في الاعلام فقط بانهم اتفقوا، اذ يبدو انهم لم يتفقوا الا على ان لا يتفقوا فحسب.

   لو انهم ينجزون بمقدار ما يتنازعون، لربما غفر لهم المواطن نزاعاتهم الممجوجة، الا انهم لا ينجزون معشار ما يتنازعون عليه، ولذلك فقد ثبت للمواطن انهم يتنازعون على المناصب ولا يتنافسون على خدمته ابدا. 

   31 مايس (ايار) 2011

غباء ديكتاتور

نـــــــــــــــــــــزار حيدر

NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM

   ومن علاماته:

   اولا: انه لا يقرأ التاريخ فلا يتعلم منه شيئا، ولذلك فان التاريخ عنده يعيد نفسه، وبأسوء صوره.

   ثانيا: انه يستنسخ الاعذار والوسائل والادوات، كلما واجه ازمة.

   مثلا؛

   انه لا يتذكر الاصلاح الا بعد فوات الاوان، ولا يفكر بالتغيير الا بعد فوات الاوان.

   بل انه لا يتذكر ربه ودينه واليوم الاخر، الا بعد فوات الاوان، على الطريقة الفرعونية التي يحدثنا عنها القرآن الكريم بقوله عز وجل {حتى اذا ادركه الغرق قال آمنت انه لا اله الا الذي آمنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين* آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين}.

   وهو يخون المصلحين اذا طالبوا بحقوق الشعب، فيتهمهم بشتى التهم، كذلك، على الطريقة الفرعونية التي يحدثنا عنها ربنا عز وجل بقوله في محكم كتابه الكريم {وقال فرعون ذروني اقتل موسى وليدع ربه اني اخاف ان يبدل دينكم او ان يظهر في الارض الفساد} او كما في قوله تعالى متحدثا عن قصة ابراهيم عليه السلام {فما كان جواب قومه الا ان قالوا اقتلوه او حرقوه}.

   وهو يبحث عن كبش فداء لنحره من اجل ان يتشبث بالسلطة، كذلك على الطريقة الفرعونية، كما في قوله عز وجل {قال فرعون آمنتم به قبل ان آذن لكم ان هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها اهلها فسوف تعلمون* لاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ثم لاصلبنكم اجمعين}.

   وهو يبرر جرائمه اذا ما واجهه بها الناس.

   وهو قد يلجا الى الحيلة اذا اسعفه الوقت، فيدعي مثلا، انه رمز وليس حاكم، فهو لا يمتلك من السلطة شيئا بعد ان سلمها للشعب، على طريقة ديكتاتور ليبيا، او يحمل مستشاريه كل الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب الابي، على طريقة ديكتاتور تونس، وهكذا.

   اخيرا، قد يحاول ان يلتقط انفاسه بشتى الطرق، من خلال كسب الوقت الى حين.

   ولكن، ولشدة وعي الشعوب ومعرفتها بالاعيب وحيل الديكتاتور، وبسبب خبرتها الطويلة في سياساته التي انتزعت آخر ذرة من مصداقيته وثقة الناس به، فهي لم تعد تصدقه ابدا، ولذلك لم تشا ان تمنحه يلتقط انفاسه، بل اننا نراها اليوم مصممة على ان تلتصق صفة (المخلوع) باسمه كلما ذكره ذاكر.

   لا تصدقوا الديكتاتور اذا تحدث بالاصلاح، ولا تصدقوه اذا وعد بالتغيير، فمن شب على شئ شاب عليه، كما يقول المثل، ولو كان جادا فيما يقول، وان كلامه ليس للاستهلاك المحلي او للانحناء امام العاصفة الى حين ان تمر عليه بسلام، لو كان جادا وصادقا فيما يقول لفعلها خلال العقود الماضية من الزمن، فلقد اخذ كل واحد منهم فرصته كاملة بلا زيادة او نقصان، فهل يعقل ان ديكتاتورا قضى في السلطة عقودا من الزمن، واحيانا اكثر من نصف قرن، سيلجا صدفة الى التغيير بارادته، ان لم يكن ضغط الشارع هو الذي اجبره؟ واذا كان الامر كذلك، فكيف يمكننا ان نامل وعود ديكتاتور اجبر على اطلاقها ولم يؤمن بها؟ انها خدعة الطاغوت لامتصاص النقمة، حتى اذا هدات العاصفة اعاد الكرة من جديد، ولكن هيهات، فالشعوب اوعى واقوى من الطغاة والديكتاتوريين دائما.

   ان الديكتاتور الجاد في التغيير، عن قناعة وليس مجبرا، يفعل ما فعله (فرعون) مصر زمن نبي الله يوسف عليه السلام، فبمجرد انه احس برياح التغيير، بادر فورا الى تسليم زمام الامور للمصلح الجديد، ليغير ويتغير، اقصد فرعون، من دون لف ودوران، ومن دون اللجوء الى القتل والتهديد والتدمير والطعن بالنوايا والولاء واثارة النعرات الطائفية والعنصرية كما يفعل، مثلا، آل خليفة وآل سعود في البحرين وفي غير البحرين.

   هنا وردت في خاطري القصة الرائعة التالية، التي اراها تنطبق على كل ديكتاتور، منذ ان خلق الله تعالى عباده ولحد الان، وربما الى يوم يبعثون، لا ادري.

   كان ذاك عندما انطوت صحيفة بني امية بمصرع آخر خلفائهم، مروان بن محمد، فقد تمزق جيشهم، وهلكت كثرة من امرائهم، وشرقت البقية الباقية منهم وغربت، تضرب على غير هدى في الافاق، الى مأمن هنا او ملاذ هناك، يحفظ عليهم الحياة، اذ ذاك انتهى الفرار بعبد الله بن مروان، ولد الخليفة الصريع، الى ارض النوبة، يلتمس فيها النجاة، وعلم ملك النوبة بنزوله، فامر رجاله ان يكرموا مثواه، ثم اقبل عليه يزوره بعد ايام في وفد من اصحابه، قضاء لحق الضيافة والتكريم، فما ان رآه عبد الله حتى هب لاستقباله، يتنحى له عن صدر المجلس، ويدعوه للجلوس، لكن الملك آثر اقتعاد الارض العارية، مخليا لضيفه مكان الصدارة، فلما عجب عبد الله ساله:

   ما منعك من القعود على الفراش؟ فكان الجواب:

   اني ملك، وحق الملك ان يتواضع لله ولعظمته اذا راى نعمة متجددة عنده، وقد رايت تجدد نعمة الله عندي بقصدكم بلادي، واستجارتكم بي، بعد عزكم وملككم، فقابلت هذه النعمة بما ترى من الخضوع والتواضع.

   فكانما خدشت هذه الكلمات بعض كبرياء عبد الله، او كانما حركت اشجانه، فاخلد الى الصمت وهو لا يكاد يجد ما يقول.

   اما الملك، فقد اغضى مليا، راسه مائل على صدره، وعينه ملتصقة بالتراب، ووجهه الاسود اللامع لا تبين منه الا جبهة مغضنة، قد انعقد فيها ما بين حاجبيه، كانه يدير فيها، على مهل وعناء، فكرة شغلته تحاول ان تجد لنفسها طريقا الى شفتيه، ثم انتبه فجأة وبادر ضيفه:

   ايها الامير: لما شربتم الخمر، وهي محرمة عليكم في كتابكم ودينكم؟.

   هزت المفاجأة عبد الله، ولكنه تمالك جأشه بعد هنيئة، واجاب:

   اجترأ على ذلك عبيدنا بجهلهم.

   قال الملك:

   فلم وطئتم الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم ودينكم؟.

   فعل ذلك اتباعنا وعمالنا جهلا منهم.

   فلم لبستم الحرير والديباج والذهب، وهو محرم عليكم في كتابكم ودينكم؟.

   استعنا في اعمالنا بقوم من ابناء العجم كتاب، ودخلوا في ديننا، فلبسوا ذلك اتباعا لسنة سلفهم، على كره منا.

  عندئذ لاح طيف بسمة على وجه الملك، وهو يطرق براسه، ويقلب يديه، ينكت في الارض، ثم ما لبث ان قال بلهجة حاول ان تخفي سخريته:

   عبيدنا واتباعنا وعمالنا وكتابنا...كلا... ما الامر كما ذكرت، ولكنكم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم، وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله العز، والبسكم الذل، وان له سبحانه فيكم لنقمة لم تبلغ غايتها بعد.

   وانتفض واقفا يقول:

   ايها الامير، اني لأخاف ان يحل بكم العذاب وانتم بارضي فينالني معكم.

   ثم اردف بهدوء كهدوء السكين لو غاصت عندئذ بطعنة مصممة في قلب الامير المذهول:

   الضيافة ثلاث... اطلبوا ما احتجتم اليه، وارتحلوا عني، ثم غادر المكان.

   في القصة رسالتان:

   الاولى: الى كل ديكتاتور مخضرم.

   والثانية: الى كل ديكتاتور جديد، اقصد قيد الانشاء.

   فاما كل ديكتاتور مخضرم، فليس في الحديث معه واليه رجاء، لان من قضى عمرا مديدا في السلطة، يمارس القتل والتدمير وتكميم الافواه وسحق حقوق الناس والاعتداء على كرامتهم وسرقة المال العام واتخاذ الناس عبيدا واماءا، ثم اوغل بالقتل والفتك لمجرد ان الشعب طالب بالاصلاح، ان مثل هذا الحاكم لا ينفع معه شئ يذكر، لانه لن يقدر على التغيير والاصلاح، فـعندما سال امير المؤمنين عليه السلام قاتله المجرم ابن ملجم عن سبب قتله اياه وفيما اذا لم يكن له خير امام؟ اجابه المجرم بلغة اليائس قائلا: (أفأنت تنقذ من في النار) فحال هؤلاء يحكيه القران الكريم بقوله تعالى {ومنهم من يستمعون اليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون} او قوله تعالى {ومنهم من ينظر اليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} او في قوله تعالى {أفأنت تسمع الصم او تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين} ولذلك فليس من وراء امثاله رجاء ابدا.

   اما من استخلفه الله تعالى على عباده بعد هلاك ديكتاتور مخضرم، كما هو الحال في العراق تحديدا، فمن الممكن ان ينفع معه الحديث والتنبيه والذكرى، اذا كان لا يزال يمتلك الارادة على العود الى ما سبق، (والعود احمد) كما يقول المثل.

   ان عليه ان يتذكر ماضيه ليصلح حاضره، وان عليه ان يتذكر ماضي الديكتاتور المخضرم، ليتجنب افعاله واقواله و....مصيره، وان عليه ان يستعيد ذكريات التاريخ السحيق من قصص وعبر وتجارب، لينتبه الى حاله، وليتذكر بان (دوام الحال من المحال) فلو (دامت لغيره لما وصلت اليه) ليترك محاولاته المستميتة الرامية الى وقف عجلة الزمن من الدوران.

   ان سنن الكون تفرض اليوم التغيير في عالمنا العربي تحديدا، فلا يحق لاحد ولا يستطيع احد ان يوقف عجلة التغيير مهما فعل، فالنظام السياسي العربي الفاسد، بما فيه الانظمة القبلية المتخلفة والوراثية الحاكمة في منطقة الخليج، وتحديدا نظام آل سعود ونظام آل خليفة المتورطان بدماء الشعب البحريني، هذا النظام السياسي العربي الفاسد، يجب ان يسقط لتستبدله الشعوب العربية بنظام سياسي ديمقراطي يحتكم من يريد ان يصل الى السلطة الى صندوق الاقتراع فقط لا غير، ليس للاسرة فيه دور وليس للقوات المسلحة فيها دور، نظام يحترم حقوق الانسان ويمنح المواطن حريته ويصون كرامته، نظام يتمتع في ظله المواطن بخيرات بلاده وبالفرص المتاحة بلا تمييز، وتخطئ الولايات المتحدة الاميركية عندما تصر لحد الان على اعتبار ديكتاتوريات كنظامي آل سعود وآل خليفة حلفاءها في المنطقة، كما حرص الرئيس اوباما على تثبيت ذلك في خطابه يوم امس حول التغيير الجاري في المنطقة، فكيف يسمح لنفسه رئيس (اعظم) دولة في العالم تدعي حماية حقوق الانسان وتتبنى الديمقراطية حول العالم، لدرجة انها نصبت نفسها شرطيا دوليا يحمل العصا لمعاقبة من يقتل شعبه الذي يطالب بحريته، كيف يسمح لنفسه، وكيف تقبل مثل هذه الدولة لرئيسها ان يصف مثل هذه الانظمة بالحلفاء؟.

   كيف يريد الرئيس اوباما ان يقنعنا بصدق اقواله، فضلا عن افعاله، وهو الذي خاف حتى من ذكر (حلفائه) من الديكتاتوريين بسوء؟ كيف يريد ان تقتنع الشعوب العربية وتصدق بان التغيير في المنطقة سياسة اميركية، وهو الذي يعتقد بان انظمة استبدادية وديكتاتورية وشمولية مثل نظام آل سعود، لا زال حليفا قويا واستراتيجيا لبلد هو ام الديمقراطية وابوها، واقصد الولايات المتحدة الاميركية؟ كيف يريد ان يقنعنا بان ادارته بدات تفصل في العلاقة التاريخية الخاطئة المبنية بين مصالح بلاده والديكتاتوريات في المنطقة، وتغيرها لصالح العلاقة بينها وبين شعوب المنطقة على اساس المصالح المشتركة وهو الذي خشي ان يذكر (حلفائه) بكلمة سوء قد تزعجهم؟ واخيرا، هل من المعقول ان يتحدث الرئيس اوباما بهذا المنطق الاعوج ثم يدعي انه يحارب الارهاب الذي تغذيه وترعاه وتحرض عليه (حليفاتها) في المنطقة، خاصة نظام آل سعود الذي لا زال يمارس القمع ضد نصف المجتمع، المرأة، بل كل المجتمع؟.

   لقد حاول الرئيس اوباما اقناع الراي العام في المنطقة بانه يحاول تصحيح الخطا التاريخي الذي ظلت ترتكبه واشنطن بتوأمة المصالح مع الديكتاتوريات، وهو بالتاكيد لم يكن يقصد (الديكتاتوريات) التي وصفها باعداء بلاده، كما انه لم يذكر (الديكتاتوريات) الحليفة بسوء، فعن اي فك ارتباط يتحدث؟ لو انه ذكر (الديكتاتوريات) الحليفة في خطابه لكان بامكان الراي العام، مثلا، ان يحاول استيعاب ما يريد قوله، اما انه تعنتر على (ديكتاتوريات) هي في الاصل عدوة لبلاده، فاين الجديد في مثل هذا الخطاب الذي لم يفارق واشنطن طوال العقود الطويلة المنصرمة؟.

   ان الذي يريد ان يقنع الراي العام العربي ويقلل من شكوكه ازاء الخطاب السياسي الجديد للادارة الاميركية عليه ان يسمي الاشياء باسمائها من دون خوف او وجل او تردد، فلا يظل يلف ويدور حول التسمية التي كان عليه ان يذكرها تحديدا، واقصد بها انظمة الاسر الجاهلية الحاكمة في الخليج.

   ربما اقنع الرئيس اوباما الراي العام الاميركي ببطولاته التي حققها في الباكستان اخيرا بقتله لاحد زعماء الارهاب العالمي الذي صنعته اجهزته الاستخباراتية عندما احتاجته في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفياتي المنهار، الا انه، برايي، فشل في اقناع شريحة واسعة من الراي العام العربي، الذي يكتوي منذ اكثر من نصف قرن بنيران الانظمة الديكتاتورية، التي لا زال الرئيس اوباما يعتبرها صديقة تقليدية لبلاده، وحليفة استراتيجية لمصالحه في المنطقة.

   ان كل هذه المنظومة السياسية الفاسدة يجب ان تتغير مهما بذلت من جهد وحاولت ان تهرب الى الامام، كما تفعل اليوم من خلال مساعيها الرامية لتوسيع مجلسها الذي بات يعرف بين الناس بـ (مجلس التعاون على الاثم والعدوان) او من خلال ما تسميه بالمبادرة الخليجية الرامية الى نقل السلطة سلميا في اليمن، هذه المبادرة التي اعتبرها اليمنيون تدخلا سافرا في شؤونهم، لانهم يعرفون ان الطاغوت لا يسقط بمثل هذه المبادرات التي ترعاها ديكتاتوريات فاقدة للشئ، الديمقراطية، الذي تقول بانها تريد ان تسوقه الى الشعب اليمني، وهي التي تعرف جيدا ان الشارع في اليمن لا تحركه احزاب ومعارضات اكل عليها الدهر وشرب، وانما تحركه قوة الشباب التي تجاوزت النظام والمعارضة وكل ما يتعلق بالماضي.

   20 مايس (أيار) 2011

حتى يغيروا

(23)

رحمة الاختلاف

نــــــــــــــــــــــــــزار حيدر

NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM

 

قراءة في حلقات

 

   ان العراق الجديد الذي يحتاج الى ثقافة جديدة، لا بد ان تعتمد التغيير الذاتي اولا.

   هذا ما اتفقنا عليه في الحلقات الماضية من هذه القراءة.

   وقلنا، بان من الثقافات التي يحتاجها العراق الجديد، هي؛

   اولا: ثقافة الحياة

   ثانيا: ثقافة التعايش

   ثالثا: ثقافة المعرفة

   رابعا: ثقافة الحوار

   خامسا: ثقافة الجرأة

   سادسا: ثقافة الحب

   سابعا: ثقافة النقد

   ثامنا: ثقافة الحقوق

   تاسعا: ثقافة الشورى

   عاشرا: ثقافة الاعتدال

   حادي عشر: ثقافة الوفاء

   ثاني عشر: ثقافة المؤسسة

   ثالث عشر: ثقافة الحاضر

   رابع عشر: ثقافة المسؤولية

   خامس عشر: ثقافة الشفافية

   سادس عشر: ثقافة الانجاز

   سابع عشر: ثقافة القانون

   ثامن عشر: ثقافة الانفاق

   تاسع عشر: ثقافة الدعاء

   عشرون: ثقافة الفرصة

   واحد وعشرون: ثقافة العدل

   اثنان وعشرون: ثقافة المعرفة

   ثلاثة وعشرون: ثقافة العفو

 

اربعة وعشرون: ثقافة الاختلاف

   هل يستطيع احد ان يلغي الاختلاف في المجتمع؟ بالتاكيد كلا، والسبب واضح وبسيط في آن واحد، الا وهو؛ ان الاختلاف سنة الحياة، فهو الفطرة التي فطر الله تعالى الخلق، وليس البشر، عليها.

   ولقد سمى القران الكريم الاختلاف آية من آيات الله تعالى كما في قوله عز وجل {ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لايات للعالمين}.

   وفي الاية {ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين} تاكيد واضح لا يقبل الجدال على ان الاختلاف هو الاصل في سنن الحياة، ولذلك فان من المستحيل القضاء عليه وانهائه في اي مجتمع.

   ولقد تحدث القرآن الكريم في العديد من آياته عن الاختلاف في كل شئ، منها قوله تعالى:

   {وهو الذي انشا جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلف اكله والزيتون والرمان متشابه وغير متشابه} {وما ذرا لكم في الارض مختلفا الوانه ان في ذلك لاية لقوم يذكرون} {ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه} {الم تر ان الله انزل من السماء ماء فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود} {ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه} {الم تر ان الله انزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا الوانه} {كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} {وما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون}.

   من ذلك يتضح لنا جليا ان الاختلاف هو الاصل في الخلقة وكذلك في العلاقة البشرية، اما الاتفاق فاستثناء، ولذلك فهو يعيش معنا في كل مكان، في الاسرة وفي العمل وفي السياسة وفي الثقافة والفكر وفي العلم وفي المدرسة وفي الشارع وفي الفريق الرياضي، وفي الايمان وفي الدين وفي المذهب وفي القومية وفي الجنس وفي اللون، وفي كل شئ ومكان.

   والمشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف، اذ ليس من المعقول ان يفطرنا ربنا على شئ هو مشكلة ابدية لنا، ابدا، انما المشكلة في طريقة التعامل مع الاختلاف، فبينما يسلم به البعض فيتعايش معه ويروضه ويجعله آلة طوع بنانه لخدمة الاهداف النبيلة والاسمى، يكابر البعض الاخر فلا يعترف به فيحاول ان يلغي الاخر لانه يختلف معه في شئ ما، كالقومية او الدين او المذهب او الفكر او اي شئ آخر.

   ان الفن هنا ليس في القضاء على الاختلافات، بل توجيهها نحو هدف مشترك واحد هو التقدم.

   ولو تدبرنا في الايات اعلاه لاتضح لنا جليا هذا المعنى، فالله تعالى لم يبعث الكتاب ليلغي الاختلاف وانما لتنظيمه وتوجيهه وقيادته بصورة صحيحة وسليمة.

   وعندما يكون الاختلاف سنة وفطرة الله التي فطر الخلق عليها، فهذا يعني ان في الامر غاية مقدسة وهدف اسمى اراد الله تعالى لعباده ان يصلوا اليه من خلال الاختلاف تحديدا، الا وهو، برايي، التكامل والسمو، من خلال بلاء الاختلاف، ان صح هذا التعبير، والذي اشارت اليه الاية الكريمة بقولها {ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم} فالمجموعة البشرية التي تتطابق في كل شئ، جدلا، لا تسير نحو التكامل ولا يمكنها ان تحقق السمو ابدا، لانها، والحال هذه، لا تعرف ماذا ينقصها لتسعى من اجل ايجاده، ولا تعرف اين الخلل والخطا والنقص لتسعى الى اكماله واصلاحه، ولذلك قيل في الحكمة (تعرف الاشياء باضدادها) فالليل لا يعرفه الانسان الا بالنهار، والطعم الحلو لا يعرفه الا بالطعم المر، والجمال الا بالقبح والعلم الا بالجهل والطول الا بالقصر والكبر الا بالصغر والحق الا بالباطل والبطولة والشجاعة الا بالجبن والثقة الا بالتردد والايمان الا بالكفر والنجاح الا بالفشل والقوة الا بالضعف والعدل الا بالظلم والربح الا بالخسارة، وهكذا، ولو انتبهنا الى هذه المتناقضات جيدا لاكتشفنا ان جوهرها هو (الاختلاف) في الاشياء والمعاني والجوهر، ولولاه لانتفى مفهوم التكامل والسمو والبحث عن الافضل والاحسن.

   من هنا اكرر جازما بان المشكلة ليست في الاختلاف ابدا، وانما في طريقة تعامل الناس معه وقبل ذلك فهمه واستيعاب فلسفته، فليس في هذا العالم مجتمع ليس فيه اختلاف، الا ان الفرق يكمن في ان المجتمع الناجح هو الذي يعرف كيف يتعامل مع الاختلاف من اجل توجيهه لتحقيق الصالح العام، اما المجتمع الفاشل فهو الذي لا يمتلك ثقافة الاختلاف فهو لا يعرف كيف يتعامل معه بطريقة تخدم مصالحه وتحقق طموحاته، فالمجتمع الناجح يوظف الاختلاف من اجل الرقي والبناء والتقدم وتحقيق الاهداف السامية، لانه يعرف كيف يتعامل معه، اما المجتمع الفاشل فهو الذي يحول الاختلاف الى آلة حادة لتمزيق جسده وتقطيع اوصاله وتدمير نسيجه الاجتماعي، وتحطيم كل امل في التغيير والبناء والتقدم والازدهار.

   خذ مثلا على ذلك الولايات المتحدة الاميركية، ففيها من الاختلاف في كل شئ في اللون والجنس والدين والمعتقد والاثنية والثقافة والمناطقية (الولايات) وفي كل شئ، الا ان المجتمع فيها نجح وبامتياز في صهر الخلافات في بوتقة واحدة ثم توجيهه صوب الصالح العام، هم لم يقضوا على الخلاف ابدا، ولكنهم سيطروا عليه بطريقة تخدم حاضرهم ومستقبلهم، ولا اريد هنا ان اشرح بالتفصيل كيف انهم سيطروا على الخلاف وروضوه لتحقيق اهدافهم الكبيرة، فان الشرح في ذلك يطول كثيرا.

   مقابل هذا المثال، هناك مثل آخر هو بلدنا العراق، كانموذج للخلاف في مجتمعات البلاد العربية والاسلامية عموما، ففي العراق كذلك عندنا الخلاف في كل شئ، في الدين والمذهب والمعتقد والانتماء السياسي والمناطقية والطبقية الاجتماعية وفي كل شئ، الا اننا، وللاسف، للان لم نعرف كيف نروض هذا الاختلاف من اجل تحقيق الصالح العام.

   ولحسن حظ الانسان هو ان الخلاف كان دائما، وعلى مر العصور والازمان، عنصر تقدم وبناء ومنفعة، الا في العراق، خاصة خلال العقود الاخيرة من عمره، فانه لم يعد كذلك، بل تحول هذا الخلاف الى عنصر للتناحر والتمزق والاقتتال والمقابر الجماعية وحلبجة والانفال والارهاب والعنف والتدمير، لماذا؟ لاننا ننكر الخلاف ولا نعترف به ولذلك لم نتعلم بعد كيف نتعامل معه، فالخلاف، لنقل، كالمرض، اذا لم يعترف به الانسان، ولم يصارحه به الطبيب، لم يتعلم كيف يتعايش معه ويروضه، ولذلك يقضي عليه في اسرع وقت ممكن، وهذا هو الفرق بيننا وبين الغربيين في علاقاتنا مع المرض، فبينما يخبر الطبيب عندهم مريضه ويصارحه بمرضه حتى اذا كان خطيرا، فياخذ المريض كافة الاستعدادات اللازمة من اجل مواجهته بالطريقة التي هي احسن فيتعايش معه على قاعدة امير المؤمنين عليه السلام {امش بدائك ما مشى بك} ترى الطبيب عندنا يخفي المرض ونوعه وخطورته حتى على صاحب الشان، المريض، ولذلك لم يستعد الاخير للتعامل معه بالطريقة السليمة، وعندما يطلع على الحقيقة يقتله المرض ليس بسبب المرض نفسه، وانما بسبب هول صدمة المعرفة بالمرض وحقيقته وخطورته.

   ويخطئ من يظن ان سبب نجاح مجتمع ما هو قضاءه على الاختلافات، ابدا، فهذا امر مستحيل، اذ لا يوجد مثل هذا المجتمع على وجه البسيطة ابدا، انما تكمن حقيقة الامر في ان مثل هذا المجتمع تمكن بوعيه وثقافته وبالقانون الذي يحتكم اليه من ان يوظف الاختلاف بطريقة ايجابية وسليمة انتجت النجاح، والعكس هو الصحيح، فاذا رايت مجتمعا فاشلا فتاكد بانه فشل قبل ذلك في التعامل مع الاختلاف، اما المجتمع الذي يفكر في كيفية القضاء على الاختلاف فانه سيقضي كل عمره وحياته بحثا عن وهم وسراب لن يصل اليه ابدا.

   وبالاختلاف يقام العدل والقسط والاحسان الذي امرنا الله تعالى بها في قوله عز وجل {ان الله يامر بالعدل والاحسان} و {قل امر ربي بالقسط} وان المجتمع الذي لا ياخذ بنظر الاعتبار الاختلاف بين الناس، فانه سيلجا الى نظرية (المساواة) التي تعني في اغلب الاحيان الظلم وعدم انصاف الناس، فالاب مثلا اذا لم ياخذ بنظر الاعتبار اختلاف ابنائه في المستوى الدراسي، لاعطى لكل واحد منهم مقدارا متساويا من المال، ما سيلحق الظلم والغبن بابنه طالب الجامعة ويعطي الصغير الذي لا زال طالبا في المرحلة الابتدائية فوق ما يستحق وفوق ما يحتاج، وهذا هو المساواة، اما العدل والقسط والانصاف فيحتم على الاب ان ياخذ بنظر الاعتبار اختلاف المراحل التعليمية بين ابنائه قبل ان يقرر مقدار ما يمنحهم من المال، ليعطي كل واحد منهم ليس بالتساوي وانما بالعدل الذي يعتمد الحاجة والقدرة.

   وكذا الاختلاف في المستوى التعليمي وفي الخبرة والتجربة والنزاهة والشجاعة والاقدام وفي كل شئ، فان الاخذ بنظر الاعتبار كل هذه الاختلافات عند الناس يساهم في اقامة العدل والقسط والانصاف بينهم، ولقد اشار امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام الى هذا المبدا بقوله العظيم {قيمة كل امر ما يحسنه}. 

   ولذلك، فان المجتمع الناجح هو الذي يعتمد الاختلاف في الثلاثي المقدس (العقل والمعرفة والجهد) لبناء علاقاته الانسانية، اما المجتمع الفاشل فهو الذي يعتمد قيم اخرى للاختلاف، كالاثنية واللون والمناطقية والانتماء الحزبي والولاء للحاكم او لزعيم القبيلة او الحزب مثلا، والاول يستند بتقييمه للافراد على قيم حضارية حقيقية كالكفاءة والخبرة والتجربة والنزاهة وروح المسؤولية والقدرة على العمل بروح الفريق، فيما يستند الثاني الى قيم فاسدة غير معقولة وغير منطقية كالمحسوبية والرشوة والمحاصصة والانتماء الحزبي وغير ذلك عند تقييم الافراد، ولذلك ينجح المجتمع الاول ويفشل المجتمع الثاني.

   هنا يقفز السؤال التالي: لو ان الاختلاف سنة الحياة التي لا يمكن الغاءها، فلماذا يتنكر لها البعض؟ او يسعى للقفز عليها فيحاول ان يتعامل مع الاخرين وكان الاصل في العلاقة هو التطابق في كل شئ؟.

   الجواب: لو تتبعنا صفات مثل هذه النماذج من البشر، لامكننا ان نؤشر على بعض الصفات السيئة التي تدفعهم للتفكير بهذه الطريقة الخاطئة، فمثل هذه الشريحة؛

   اولا: تسعى الى احتكار الحقيقة، بعد ان رسمت في ذهنها قوالب فكرية معينة تتصور انها المقياس المطلق الذي يجب ان يقيس عليه الاخرون مدى قربهم او بعدهم عن الحق، ولقد اشار امير المؤمنين عليه السلام الى هذا المعنى بقوله عليه السلام {المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما انكروا}.

   ان الذي يحتكر الحقيقة لا يمكنه ان يعترف بالاختلاف مع الاخرين، لان الاختلاف يعني تقاسم الحقيقة، وهذا نقيض طريقته في التفكير والتعامل في الوسط الاجتماعي، ولذلك فهو لا يحتمل الخلاف والاختلاف. 

   ثانيا: انها لا تمتلك منطقا ودليلا وحجة، ولذلك تسعى لالغاء الاختلاف والسعي لتثبيت راي واحد وموقف واحد وهو ما تعتقده هي وتعتبره حقا، اما الراي الاخر، فاما ان يتغير ليتطابق مع ما تراه او تلغيه ولو بالقتل.

   ثالثا: عاجزة عن الاقناع بادواتها الحضارية السلمية والسليمة فتراها تلجا الى القتل وتصفية الاخر بعد ان تلغي الاختلاف وكان كل راي غير ما تراه او تقوله كفر ينبغي اجتثاثه من المجتمع.

   رابعا: لا تؤمن بالتطور، ولذلك تحاول الغاء الاختلاف لانه ينتهي بالمجتمع الى التطور، ولقد ظلت مثل هذه الشريحة وعلى طول التاريخ القديم والحديث تتشبث بالماضي لالغاء الاختلاف، وكأن الموروث هو الحق المطلق الذي لا يجوز لاحد نقده او مناقشته او الخروج عليه، فهي تقدس الافكار وتعبد الاشخاص وتؤله الرموز، ولذلك ترفض الاختلاف وكان شعارها دائما {بل قالوا انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مهتدون} و {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}.

   وتتمثل هذه الشريحة المتخلفة اليوم في المجتمع (الاسلامي) بالحزب الوهابي الذي يلجا الى الفتوى (الدينية) لانكار الاختلاف، فيتعبر ان اي اختلاف يقود الى النار ولذلك ينبغي الجهاد من اجل ان يكون الناس امة واحدة لا اختلاف في آرائها ومعتقداتها ومواقفها واساليبها وادواتها، وربما لهذا السبب كفر الوهابيون الاخرين واجازوا قتالهم واباحوا دماءهم واعراضهم واموالهم، لانهم لا يعتقدون الا بانفسهم، ولا يؤمنون الا بطريقتهم التي وصفها فرعون ذات مرة، وهو يحاول ان يحشد الناس ضد نبي الله موسى عليه السلام واخيه هارون عليه السلام{قالوا ان هذان لساحران يريدان ان يخرجاكم من ارضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى} او كقولهم {قالوا اجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكم الكبرياء في الارض وما نحن لكما بمؤمنين}.

   ان جماعات العنف والارهاب، والجماعات المتزمتة والمتطرفة في المجتمع، هي شرائح لا تؤمن بالاختلاف، ولذلك تمارس القتل، ولو كانت تؤمن بالاختلاف للجأت الى المنطق والحوار مع الاخر الذي يختلف معها في الفكر والعقيدة والراي والموقف، ومن اجل ان نقضي على هذه الظاهرة، علينا جميعا ان نبذل قصارى جهدنا من اجل اشاعة ثقافة الاختلاف، فـ (رايك صحيح يحتمل الخطا، ورايي خطأ يحتمل الصواب) على حد قول احد الفلاسفة.

   انها جماعات ترى نهايتها في الاختلاف وليس في الاتفاق، فالاول قد يظهر خطاها فينفض عنها الناس ويكفر بها الراي العام، ولذلك يلغون الاختلاف ويسعون لفرض نهج واحد في المجتمع يؤمن لهم ديمومة ما لزمن ما.

   وان من اخصب الارضيات التي تنمو فيها فكرة الغاء الاختلاف هي الديكتاتورية والنظم الاستبدادية والشمولية والبوليسية، لانها تمنع الراي والراي الاخر وتحجر على اي نوع من انواع الحوار الحر والمستقل، بسبب انها لا تحب التغيير ايا كان نوعه ومصدره لان مجرد التفكير برايها يشكل بداية النهاية بالنسبة لها.

   ان الديكتاتورية تشجع على الغاء الخلافات من اجل ان تقضي على الراي والراي الاخر، كما انها تقمع الاختلاف لانها لا تريد ان تسمع معارضا يدلي لها بحجج تختلف عما تسوقه هي فقط الى الراي العام، ولذلك كان فرعون، وهو انموذج الديكتاتور عبر التاريخ، كان يمنع قومه حتى من مجرد التفكير، فكان يقول لهم {قال فرعون ما اريكم الا ما ارى وما اهديكم الا سبيل الرشاد} فنهجه هو الوحيد الذي يهدي الناس الى الرشاد فعلام الخلاف والاختلاف اذن؟.

   ومن اجل ان تبهر الديكتاتورية عقول الناس وابصارهم، وتبرر قمعها للراي الاخر، تراها تسوق احلى الكلام واعذب العبارات وهي تحارب الاختلاف كقولها ان الاختلاف يضعف معنويات الامة وان اي حوار عام يشتت طاقاتها ويقلل من شانها وباسها امام العدو، ولذلك ينبغي ان نقضي على الاختلاف ليتفرغ الناس لمصالحهم، كما هو حالها اليوم في العديد من البلاد العربية وهي تسعى لقمع انتفاضة الشعوب الثائرة بالقوة والعنف والقتل والتدمير، هذه الشعوب التي تريد ان تستعيد كرامتها بالانعتاق من الديكتاتورية والتمتع بالحرية، فترى النظام السياسي العربي الفاسد يلوم الشعوب لانها اختلفت، لماذا؟ لانه يرى نهايته في الاختلاف، هذا الاختلاف الذي بدا يفتح آفاقا جديدة من الحوارات الحرة.

   ان الاختلاف هو الذي يبصر الناس عيوبهم، وهو الذي ينقد الحاكم ويفضح مظالمه، وهو الذي يمنح الراي العام القدرة الى التمييز بين النجاح والفشل، وبين الصحيح والخطا، وهو الذي يساعده على التفكير بصوت عال بحثا عن حقوقه، وان كل ذلك لغير صالح الديكتاتورية ولذلك تحاربه وتسعى للقضاء عليه.

   ان الديكتاتورية مرض خطير ليس على مستوى النظام السياسي الحاكم فحسب وانما في كل موقع من مواقع المجتمع، فهي خطيرة اذا تحكمت في الوسط العائلي والتعليمي والمهني وفي كل مكان، فالديكتاتورية في العائلة مثلا تمنع الاختلاف بين الابناء والوالدين وبين الوالدين انفسهم، ما تدع العائلة تعيش على نمط واحد ووتيرة واحدة، وبالتالي لن تشهد اي تطور وتقدم، فالاب الديكتاتور الذي يقمع اولاده ولا يدعهم يعبروا عن انفسهم بالطرق السلمية والسليمة، بحجة انه يخاف عليهم من الاختلاف الذي قد يمزق اوصال العائلة، انما يقودها الى حتفها ان عاجلا ام آجلا، لانه بذلك سيربي اولادا مقموعين سيبحثون عن اية طريقة غير مشروعة في المستقبل عندما يكبروا ليعبروا بها عما فاتهم، وفي اغلب الاحيان فانهم يختارون العنف كطريق للتعبير عما ظل مكبوتا في انفسهم.

   بقي ان نثير سؤالا واحدا في غاية الاهمية، الا وهو: متى يكون الخلاف ايجابيا، ومتى يكون سلبيا؟ اي متى نبني بالخلاف ومتى ندمر؟ اي متى يكون الخلاف والاختلاف رحمة كما في قول رسول الله (ص) {اختلاف امتي رحمة}؟ ومتى يكون نقمة؟.

   يمكن لنا ان نستوحي الجواب الصحيح من جواب لامير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام على سؤال لبعض اليهود عندما قالوا له: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم؟ فقال عليه السلام {انما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنكم ما جفت ارجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم (اجعل لنا الها كما لهم آلهة، قال، انكم قوم تجهلون)}.

   فعندما يكون الخلاف من اجل الحقيقة فذلك هو الخلاف الذي يبني، اما الخلاف الذي ليس من اهدافه ابدا الوصول الى الحقيقة، اي خلاف من اجل الخلاف، والمراء والجدال العقيم، فذلك هو الخلاف الذي يدمر، ولقد قال امير المؤمنين عليه السلام {فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله}.

   18 مايس (ايار) 2011