بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية

 
 
مجزرة النخيب وقوانين معالجة حالة الظروف الاستثنائية

بقلم: عبد الأمير محسن آل مغير

الظـروف الاستثنائية هي حالة حدوث مخاطر جسيمة تخل بالأمن العام وتعرّض حياة الأفراد والمجتمع والنظام السياسي في الدولة للخطر، وأطلِقت على هذه النظرية مسميات عدة في القوانين الدستورية، ففي مصر سميت بنظرية "الظروف الاستثنائية"، في حين أطلق عليها المشرّع العراقي "قانون الأحكام العرفية". أو قانون السلامة الوطنية، وقد عالجتها الدساتير بأوجه مختلفة بين بلدٍ وآخر، ففي فرنسا ومصر اشترط المشرع للأخذ بهذه النظرية أن تتوفر أسباب خاصة منها أن يكون الترخيص الذي يمنح للحكومة محدد بمدة معينة وأن تكون حالة الخطر قائمة، وتُخوّل في مثل هذه الأحوال السلطة التنفيذية استعمال صلاحية التصدي لتلك الأحداث بإصدار لوائح تسمى بلوائح الضرورة، ومن ثمَّ تعرض الإجراءات المتخذة من قبل تلك السلطة بموجب تلك اللوائح على البرلمان عند أول انعقاده، وله أن يقرَّها أو يرفضها. وفي حالة الرفض يترتب تعويض من تضرر جراء تلك الإجراءات، فيما لم يعالج الدستور العراقي النافذ لعام 2005 حالة الظروف الاستثنائية، ويبدو أن المشرعَ العراقي اعتمد الأحكام القانونية المتعلقة بمكافحة الإرهاب. وفي القوانين العراقية السـابقة في حالة إعلان الأحكام العرفية يُخول رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء باتخاذ الإجراءات بالتصدي لتلك الأحداث طبقاً لإحكام الدستور ويُعطى حق إصدار لوائح حالة الضرورة ولهُ حق تخويل قسم من صلاحياتهِ لحكام عسكريين للمناطق وتشكيل محاكم عسكرية يُطلق عليها "مجالس الأحكام العرفية"، ويتولّى موظفو الإدارة العامة وقوات الشرطة والاستعانة بالجيش عند الاقتضاء باتخاذ الإجراءات اللازمة بالتحري والقبض والاستقدام والقيام بالتحقيق الابتدائي، ثمّ تُعرض الأوراق المتعلقة بالمتهم على قاضي التحقيق المختص وله الموافقة على قبول تلك الإجراءات أو رفضها. وقد شُكل بعد ثورة 14 تموز عام 1958 مجلسان عرفيان أحدهما في الرصافة (معسكر الرشيد) والثاني في الكرخ (معسكر الوشاش)، وتُحال عليهما كافة القضايا التي تنطبق عليها النصوص المتعلقة بقانون الأحكام العرفية، ويكون قضاة تلك المجالس من العسكريين ومن حملة شهادة القانون، وقد امتازت أعمالها بقدرة إصدار الأحكام بشكل يتلاءم مع حالة الضرورة، كما تكون تلك الأحكام عادة بعيدة عن مختلف المؤثرات السياسية أو الأمنية. والمفارقة الموجودة الآن في حياتنا ورغم إن الإخلال بالأمن أكثر بكثير عمّا كان عليه الحال بعد ثورة 14 تموز 1958 أن تتطلب حالة الضرورة الحصول على أمر قبض أو مذكرة تحري قبل اتخاذ الإجراء مما نجم عن ذلك قدرة المتهمين بالإفلات من تلك الإجراءات. وعند قيام الجيش في مدينة البصرة بتطويق خلية إرهابية والتأكد فعلاً من وجود أؤلئك الإرهابيين في الدار المطوّقة إلا إن القوة لم يكن لديها أمر بالتحري لتلك الدار واستمرت لساعتين بانتظار أمر التحري يصدر من السيد قاضي التحقيق (الخفر) مما مَكّن اؤلئك الإرهابيين من الهروب باتجاه الدور المجاورة. ويعتبر الكثير من فقهاء القانون الجنائي إن إحدى عوامل عدم الوصول للاستقرار الكامل في العراق هو عدم التعامل مع مجريات الأحداث طبقاً لما تتطلبه أحكام الظروف الاستثنائية بتمكين القوة من اتخاذ إجراءاتها ومن ثم عرض الموضوع على القضاء. والعامل الثاني باستمرار العنف هو بطئ إصدار الأحكام من قبل القضاء وعدم إصدار المراسيم الجمهورية بمصادقتها. وقد عرضت قناة الحرة يوم 20/9/2011 بأنّ 338 قرار حكم بالإعدام مكتسب الدرجة القطعية لعام 2011 كانت قد أرسلت إلى رئاسة الجمهورية ولم يُصادق إلا على ثلاثة أحكام منها. وبنظر الكثير من المحليين السياسيين والمثقفين العراقيين إن عدم جدية مواجهة الأحداث الجارية في العراق الآن وإراقة دماء أبناء هذا الشــعب تعني الاســتخفاف بتنفيذ القوانين رغم خطورة ما يواجهه المجتمع. وبما إن مؤسسات الدولة وُجدت لغرض تأمين حياة المواطن وحريته وممتلكاته فإنّ أيّ تهـاون في ذلك يرقى إلى حالة الخيانة العظمى بحق الشــعب والوطن ممن يلمس منهم التعمد باستمرار ذلك التهاون.
وكانت مجزرة النخيب واستدراج سواق سيارات الأجرة من بغدادَ ودفنهم في مقابرَ جماعية بعد قتلهم في منطقة الدجيل قد أثارت مشاعر جياشة بين المواطنين وعززت تراكم الأحداث دون اتخاذ إجراءات حازمة من قبل الجهات المختصة والمسؤولة بتنفيذ الأحكام بحق أؤلئك المجرمين ويعتبر كل ذلك إفراغاً لتلك الأحكام من قيمتها القانونية، كما تؤدي إلى التأثير بمعنويات القوات المسلحة وتكريس فجوة من عدم الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين. وقد تكررت حادثة النخيب للمرة الثانية في يوم 13/9/2011 حيث سبقتها حادثة الحجاج والتي حصلت بنفس المكان تقريباً وحكم على المتهمين حينها من قبل جنايات كربلاء بالإعدام بعد التحقيق وإجراء كشف الدلالة وتثبيت شهادات الشهود، ولدى تمييز تلك الأحكام أطلق سراح أؤلئك المجرمين من قبل محكمة التمييز بنتيجة مداخلات سياسية، ووعد السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى بإجراء تحقيق من قبل لجنة مع الجهات التي أفرجت عنهم ويأمل المواطنون إطلاعهم على قرار تلك اللجنة وأن لا تكون كسابقاتها من اللجان التي شُكلت من قبل مؤسسات الدولة ولم يُسمع عن نتائجها شيء. وعوداً على حادثة النخيب الأخيرة التي استشهد على إثرها 24 مغدوراً وخطف 26 امرأة وطفل وعثرت الطائرات المروحية على قسم من النساء والأطفال هائمين على وجوههم في الصحراء بين الموت والحياة، وقد نقلت أؤلئك النسوة مشاهد سوف تبقى لطخة عار بوجه من يزعم بأنه مؤمن ومجاهد ويقترف جرائم بشعة كهذه. في حين أعطى الجواب على صفته هذه بأنه سليلُ لأولئك الذين وُجدوا لدعم نظام سياسي أقيم بتوصية من قبل أعداء العرب والمسلمين فيما مضى، وقد فاقت جرائم هؤلاء أفعال الخوارج الذين يختلفون عنهم بنظر التأريخ بوصفهم "أصابوا الهدف وأخطئوا الوسيلة" كما نعتهم الإمام علي (ع). والعراقيون لا يلقون باللائمة على زمرة تجاوزت بأفعالها كل ما يمت للإنسانية بصلة عبر تأريخها الطويل ولكنهم يعتبون على العراقيين الذين ضمن برامجهم المعلنة الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً في حين على اثر وقائع مجزرة 13/9 بادر البعض منهم بإطلاق تصريحات لا يُشمُّ منها للأسف الشديد سوى المزايدات للحصول على أصوات الناخبين. وخلاصة القول ما لم تتجه مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى ما يخلص العراق من هذه الشرور وكل ضمن مهامه بإصدار التشريعات وقرارات الأحكام ومصادقة تلك القرارات وتنفيذها والقبض على المجرمين وبحزم ووفق ما يحقق العدالة وبخلاف كل ذلك يعتبر العراقيون أنفسهم ضحايا للتوافقات السياسية بين الكتل. ففي يوم 18/9/2011 صرح السيد مأمون العلواني (رئيس مجلس محافظة الأنبار) على قناة الحرة بأن القوات المسلحة بالمحافظة قادرة على ملاحقة المجرمين والقبض عليهم وأضاف بأن تعدادَ الشرطة (18000) ألف عنصر، في حين لم تكن القوة التي كان موكل حراسة حدود الباديتين الغربية والجنوبية فيما مضى تتجاوز قوة لواء شرطة فقط لكل واحدة منها. والسيد سلمان الجميلي الناطق باسم العراقية عند بدء تصريحه بأنه سوف يقاضي الحكومة الاتحادية في حالة عدم تشكيل لجنة تحقيقية تحدّد أسماء من قاموا بتوقيف ثمانية من المتهمين في قضاء الرطبة بعد مجزرة 13/9 بدلاً من أن يهدد بمقاضاة الجهات المسؤولة في حالة عدم القبض على الفاعلين لتلك المجزرة التي لم يحصل مثيلاً لها منذ بدأ العمليات الإرهابية في العراق حيث تعزل العوائل ويقتل الرجال أمام أطفالهم ونسائهم وتؤخذ النساء والأطفال إلى الصحراء ويقتل البعض منهن والبعض الآخر عثرت عليهن الطائرات المروحية هائمات في الصحراء فلدى السيد الجميلي توقيف المتهمين بقضية أهم بكثير من قطع الطريق العام وقتل النساء واستباحة دماء العراقيين دونما ذنب وجميع العراقيين يتذكرون رسالة الزرقاوي لشيخيه إبن لادن ومحمد عمر في أفغانستان يطلب منهما فيها باستباحة دماء (الروافض) ويقول بأن ذلك الطريق هو الذي يمكنهم من البقاء في العراق لأنه يقسم الشعب العراقي إلى خندقين سني وشيعي كما يقول وبخلافه يعتقد بأن عليهم أن يحملوا أغراضهم ويخرجوا من هذا البلد. ويعرف جميع ذوي الاختصاص بأن هذه هي خطة موضوعة منذ بدأ العمليات الإرهابية من قبل القاعدة وعلى القوى السياسية أن تدرك بأن الظرف الذي تمر بهِ المنطقة العربية الآن لا يتحمل بقاء فلول ما يسمى بـ "دولة العراق الإسلامية" ووجوب تصفية تلك الفلول كما أن صبر العراقيين يكاد أن ينفذ وهم يشعرون بأن قسماً من الساسة متواطئين مع الإرهاب وأن أولئك هم مشخصين وبدأ الشعب العراقي يبتعد عنهم وممن كانوا يهددون بالإرهاب وزيادة العنف ما لم يصلوا إلى الأهداف التي ينشدونها حيث بدأت ملامح ترك الكيانات التي هم فيها، ويبدو أن حادثة النخيب والتي استتبعتها مجازر مطعم قرية الحصوة في الإسكندرية ومطعم حسان في الطريق السريع وحادث كربلاء يوم 25/9/2011 ونسمع تبريراً بوجود خلايا نائمة بمنطقة اللطيفية مع أن هذه المنطقة استقر فيها الوضع لأكثر من سنتين وان عدم اتخاذ إجراء بحق الفاعلين بقضية النخيب الثانية يوم 13/9/2011 من قبل قيادة قوات الانبار أو لواء الرد السريع أو قوة الـ 18 ألف شرطي في الانبار. امر يؤدي الى تصاعد العمليات الارهابية وقد صرح الفريق الغانمي قائد قوات الفرات الأوسط على قناة الحرة يوم 28/9/2011 بأنهم سيقومون بتسليم سيارات الشحن والركاب إلى قيادة قوات الأنبار بموجب سجلات، في حين أن أهم ما تضطلع به الدولة العصرية هو حماية الطرق العامة ليل نهار، ويعكس مثل هذا التصريح عدم قدرة قيادة قوات الانبار بملاحقة زمر القاعدة في البادية الغربية والقضاء عليهم مع أن شرطة الگمارگ في كلا الباديتين يستطيعون الاستدلال على أي بقعة من بقاع البادية. كما صرح أحد أعضاء كتلة الأحرار بأن أحد أعضاء مجلس النواب ثبت تدخله في عمل قيادة الفرقة السابعة عشر وقد أحيل ملف ذلك النائب إلى أحد اللجان داخل المجلس، وحذر النائب المذكور كافة أعضاء مجلس النواب من التمادي في ذلك، في حين صرح نائب في "العراقية" يوم 28/9/2011 بقوله "إننا نتدخل في حالة طلب الأهالي منا على أثر حصول مداهمات" ومثل هذا التصريح الأخير يعتبر غاية في الخطورة ويكون بمثابة هدم بما تبنيه الجهات الأمنية بإعادة الاستقرار وان السيد النائب الذي يخول نفسه التدخل في الشؤون الامنية فانه حل محل الادعاء العام والقضاء ووزارة حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني بدلا من ان يطرح رايه في مجلس النواب ويطلب الرؤساء الامنيين المعنيين للمحاسبة امام المجلس في وجود مقتضى لذلك . وفي نفس اليوم صرح النائب كمال الساعدي بأن كافة حمايات المسؤولين سوف تغضع للتفتيش، حيث ثبت بأن بعض تلك الحمايات على صلة بالإرهابيين وتقوم بدعمهم. وان ناطق باسم العراقية وافق على ذلك الإجراء إلا انه استغرب من اتخاذه، في حين أدلى ناطق عن الكتلة الكردستانية بعدم موافقته على ذلك باعتبار لا يمكن أن يسمح مسؤول من ان يكون بين معيته مخلاً بالأمن، في حين أن الثابت لدى المواطنين أن بعض تلك الحمايات هي بمثابة مليشيات تقوم بدعم العمليات الإرهابية، وإلا كيف استطاع المجرم محمد الدايني وهو عضو سابق في مجلس النواب أن يُدخل إلى المنطقة الخضراء قنبلة ويفجرها داخل بناية المجلس. كما كانت حماية النائب السابق عدنان الدليمي تقوم بضرب الأهالي في مدينة الحرية بالهاونات من مقرها في حي العدل، وقد طُلب سحب الحصانة البرلمانية منه لهذا السبب إلا انه بادر بالاستقالة.
وما تجدر الإشارة له أن العراق لم يكن الدولة الأولى التي يُفتش فيها حماية المسؤولين، ففي ذروة العنف في جمهورية إيران الإسلامية اضطرت السلطة آنذاك أن تفتش حماية رئيس الجمهورية نفسه. وخلاصة القول من كل ما ذكرناه ضرورة إصدار تشريع يعالج كيفية التعامل مع حالات الإخلال بالأمن والتي لم تقتصر على العمليات الإرهابية وإنما تأخذ أبعاداً معينة تصدر أحياناً حتى من بعض الساسة وتتحول إلى جرائم جنائية كمسائل التحريض على العنف وأوجه الابتزاز السياسي والتهاون في عدم تنفيذ المهام الدستورية من قبل المسؤلين وتحميلهم المسؤلية عن جميع ما ينجم عن تصرف حماياتهم وهذا ما حصل فعلا خلال الدورتين الاولى والحالية من سوء التصرف الحاصل من تلك الحمايات.