بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية
   


تصريحات بعض الساسة في "العراقية" وعملية خلط الأوراق

بقلم: عبد الامير محسن آل مغير

وردَ في قناة الحرة يوم 24/12/2011 قولاً للسيد الهاشمي أدلى به من أقليم كوردستان بدلاً من أن يمثل أمام القضاء العراقي ويوضح كل ما لديه، فهو في مثل هذه الحالة يلوذ بكبار المسؤولين في الدولة بقصد خلق البلبلة بين أوساط الشعب زاعماً بأنه يمثل مكوناً عراقياً وأن ذلك المكوّن مستهدف كما يقول. ولم يجد المراقبون للاحداث أي ترابط بين أقواله تلك والاتهام الموجه له، ومثل هذا الأقوال تثبت التهمة الجنائية بحقه وبأنهُ متورط فعلاً فيها. ويعتقد بعض المحللين بأن الهاشمي وصل إلى حالة من اليأس أدت إلى افتقاد توازنه بلجوئه إلى عملية خلط الأوراق بهذا الشكل المخجل، فهو يعطي صورة مؤلمة لما كان متبعاً من قبل بعض الساسة في ممارسة عملية الموت المنظّم لأبناء هذا الشعب. ويبدو أنه بنتيجة ثبوت تورطه لم يعد له أملٌ في التعايش كسياسي في هذا البلد، والعراقيون وطيلة قرابة قرن مضى لما بعد الاستقلال عام 1921 يخجلون من ذكر مسميات طائفية (كـسنيّ وشــيعي) حفاظــاً على وحدة هذا الشعب. ففي عهد حكومة السيد ياسين الهاشمي عام 1935 قام قائد الجيش آنذاك الفريق بكر صدقي باخماد حركات مسلحة في الرميثة والدغارة والمهناوية وسوق الشيوخ في وسط وجنوب العراق، وفي مناطق تواجد اليزيدية والآشوريين وناحية برزان في المنطقة الشمالية ولم يقل أحد من العراقيين بأن السيد الهاشمي كان ســنياً. وفي الوقت الذي يقول فيه السيد رئيس الجمهورية بأن السيد الهاشمي بضيافتي إلا أن الأخير لم يراعِ آداب الضيافة، ومن أهمها عدم تعريض صاحب المكان للإحراج خصوصاً وأن المضيف هو رئيس دولة يمثل جميع العراقيين، وإن ذلك الاحراج أدركه الجميع من خلال التصريحات الغير موضوعية بحق العراق وشعبه. أمّا السيد النجيفي رئيس مجلس النواب الذي لم يعلق عضويته كبقية الكتلة العراقية ليمكنه ذلك وبنظر أغلب المحللين بتأجيل اجتماع المجلس وعدم المصادقة على موازنة عام 2012 ليعطي مجالاً لحضور قائمته بعد أن يُستجاب إلى طلباتها، كما أنه استثمر فرصة افتتاح المقر الجديد لمجلس محافظة صلاح الدين ليدلي بتصريحات "نارية" يرفض من خلالها تشيكل حكومة أغلبية بقوله "إن الحكومة الحالية شُكلت بموجب توافقات ولا يمكن أن تُشكل وفق الأغلبية" وحذر مهدداً "عند تشكيل تلك الحكومة وفق تلك الصيغة سيتم التوجه نحو العنف"، ورئيس مجلس النواب المعني باصدار القوانين يتناسى بأن الدستور العراقي النافذ نصّ صراحة بوجوب أن تُشكل الحكومة بالاغلبية ولم يرد أيّ نص لموضوع التوافقات، كما أن حكومة المشاركة وصلت إلى طريق مسدود لوجود التقاطعات السياسية بين مسار بعض الساسة في "العراقية" وتأمين مستقبل الشعب العراقي وفي الوقت الذي يعارض بعض أؤلئك الساسة مسار الحكومة كلياً وهم جزء من مؤسسات الدولة يرفضون أن يتولوا مهمة المعارضة البرلمانية لأنهم يريدون أن يشاركوا في الغُنم دون تحمل الغرم كما يقولون، ولسان حال السيد النجيفي كما يفهمه المثقفون العراقيون أن يجمع بين مسألتين متناقضتين في آن واحد: حوزته على امتيازات الدولة وامكاناتها ولكنه يتنصل من أيّ تعثر تتعرض له مسيرة تلك الدولة. ومثل هذا المسلك يعتبر لعبة غاية في الخطورة، فلو توخينا أسباب هذه التصريحات التي انطلقت بشكل مفاجئ ومرة واحدة فأغلب المحللين يعتقدون بأنها جاءت ضمن التوجه التخريبي على أثر سحب القوات الاميركية، ويعتقد أؤلئك المحللون بأن هذا التوجه أيضاً هو جزء منه لتشجيع الجمهوريين في الولايات المتحدة من استعادة بعض القوات الاميركية إلى العراق وهو ما كان ينادي به علناً بعض الساسة في "العراقية"، في حين يرى قسم آخر بأن تلك هي محاولة لتخريب العملية السياسية برمتها بعد أن أصبحت القوات العراقية قادرة بالوقوف بوجه التحديات الأمنية، وتوقع هؤلاء المحللون بأن أساليب اختراق تلك القوات قد كُشف أخيراً مما جعل أؤلئك الساسة ينفذ صبرهم من جراء ذلك. ومما يثير الدهشة الربط بين قضية الهاشمي والمطلك في حين أن الاولى قضائية صرفة والثانية تهجم من قبل نائب رئيس الوزراء ضد رئيس الحكومة ما يجعل المعايشة بينهما غير ممكنة أصلاً، وإلا كيف يستطيع رئيس وزراء يُتهم من قبل نائبه بانه وفي بلدٍ ديمقراطي "دكتاتورياً". فالسيد المطلك يعرف حق المعرفة إذا كان لديه أبسط إلمام بالعلوم السياسية بما يترتب على ذلك التصريح. والمشكلة أن الذين يتكلمون عن الدكتاتورية يعلمون جيداً بانهم نتاج حقيقي لدكتاتورية النظام السابق وحملة لآيدولوجيته، والحكم الحالي في العراق بنظر كافة دول العالم المتحضر بمؤسساته الدستورية واتاحته للحريات العامة والتعددية الحزبية يمثل نموذجاً في المنطقة، وإن من يتهمونه بـ "الدكتاتورية" هم أساس البلاء بالنسبة للعراق وشعبه ويمثلون عائقاً أمام استكمال نهضته، ولن يُنتظر منهم اعطاء تقييم سليم ومنصف لهذا النظام، فجميع العراقيين يدركون الهدف من حملة (التهويش) هذه بخلق أزمة مفتعلة ومخطط لها سلفاً كما ذكرنا مع اكتمال الانسحاب الاميركي للدفع بالعملية السياسية وصولاً إلى تعطيلها كلياً لأنهم لا يؤمنون بها. والتوجهات هذه من قبل "العراقية" ناجمة من سيطرة عناصر متطرفة على قيادتها والناطقين باسمها كالسيد أحمد العلواني وسلمان الجميلي والسيد المطلك وحيدر الملا، أما المعتدلون في تلك القائمة فقد اضطروا إلى تركها كالسيد شاكر كتاب وأعضاء االكتلة البيضاء وغيرهم انسحبوا أخيراً سواء من مجلس النواب أو أعضاء مجالس المحافظات، ولم يعد بنظرنا مخرج للازمة الحالية سوى تشكيل حكومة أغلبية وإلا فسيبقى العراق يراوح في مكانه دون تقدّم ومكان القائمة العراقية بوضعها الراهن في المعارضة البرلمانية، حيث لا يمكن الجمع بين عملية النقد الجارح الذي يقترب من التخريب أحياناً وبين تبني برنامج حكومي، والسنين الماضية كانت خير دليل فلم يعد لحكومة المشاركة قدرة الاستمرار بتحمل المسؤولية تجاه الشعب العراقي الذي هو بأمسِّ الحاجة للعمل وليس للمماطلات والتسويف الذي ينمّ عن عدم الحياء أحياناً. وكان تصريح السيد رئيس الوزراء بأنه "مكبل اليدين" ترجمة حقيقية لما تعاني منه حكومة الشراكة الوطنية، حيث أن العراقيين ينتظرون منجزات هامة بعد الانسحاب الأميركي في القضاء على العنف والفساد الاداري والنهوض بالمستوى المعاشي للمواطنين والتوجه نحو انجاز تنموي بما ينقذ العراق من الكبوات التي حصلت له وبما يناسب تمتعه بخيرات وفيرة.
أما في حالة موافقة الحكومة بنقل قضية الهاشمي إلى اقليم كوردستان فإن ذلك يعتبر خرقاً للدستور النافذ لأن محاكم الاقليم غير مرتبطة بالقضاء العراقي ومنذ عقدين من الزمن، ولأن مثل هذه المسألة تمسّ بجوهر سيادة الدولة المتمثلة بالسلطة القضائية والتي تمتد صلاحياتها على الرقعة الجغرافية التي تُمارس مهامها عليها، وكل تصعيد في أزمة الهاشمي يعني محاولة تمييعها وإذا لم تحسم فبرأي أغلب المحللين فلن يصل العراق إلى الاستقرار الكامل.....