تصريح الدكتور أياد علاوي رئيس القائمة العراقية لصحيفة " السفير " قبل يومين , والذي أكد فيه على فشل الطبقة السياسية الحالية في تحمل مسئوليتها , وانشغالها طيلة السنوات السابقة بالصراعات الفئوية والشخصية , وترك العراق للانزلاق في هذا المنحدر الخطير , فيه الكثير من الصحة . وهو أول اعتراف يحدد السبب الرئيسي في فشل التجربة العراقية على لسان احد قادة القوائم الرئيسية الثلاث المسئولة عن هذا الفشل , دون ان يعف نفسه ويرحله على الآخرين فقط كما جرت العادة . وقد زاد في الطلب من العراقيين ان لا ينتخبوا بعد اليوم احد من الموجودين , لا هو ولا من قائمته , ولا من القوائم الأخرى .

جرت العادة عند الجميع , ليس من قيادات الصف الأول فقط بل تصل الى الصف العاشر , وجميعهم يرددون كل تفاصيل أسباب الفشل , حتى ان العراقي يبقى مشدوها في كثير من الأحيان للتوضيحات التي يقدمها هؤلاء النواب والمسئولين في اتهام القوائم الأخرى , والتي هي بعيدة عن الإمكانيات الشخصية لمعرفته , مثل تفاصيل اشتراك الحمايات ومنتسبي القوات المسلحة بالعمليات الإرهابية كما أكدها أخيرا قاسم عطا , او تهريب القتلة والمجرمين والمحكومين بالإعدام لقاء مبالغ معينة , او اللصوصية ونهب الوزارات وتحويلها الى مراكز للتحقيق . وليس آخرها التفجيرات التي أعقبت أمر إلقاء القبض على الهاشمي, والتي اتهمت فيها عصابات سنية كما أشار الناطق الحكومي . واغرب ما فيها تفجير بناية النزاهة في الكرادة و (سرقة ) ملفات اتهام شخصيات شيعية من بينها خضير الخزاعي نائب رئيس الجمهورية .

علاوي بهذا التأكيد الصريح قال كلمة الحق , ولكن هل كلمة الحق هذه هي لوجه الله تعالى ؟ بعد ان ثاب ضميره وانتشله من الوضع المخزي الذي ركست فيه كل القيادات السياسية العراقية المتنفذة . وهل ( صحوة الضمير ) هذه , هي القربان الذي شعر بضرورة التضحية به لاستنهاض همم العراقيين في إزاحة سفالات سدنة العملية السياسية في قائمته وفي باقي القوائم ؟! ام يأتي بإضافة طبقة جديدة فوق طبقات الغش والخداع التي لم تعد تهم العراقيين المكتوين بالجوع والحرمان , وترحيل الفشل الى غريمه المالكي , خاصة وانه اخذ يعدد ما حققه في فترة رئاسته لمجلس الوزراء من استحداث لبعض المؤسسات . وتساءل : عن ماذا قدم غيره ( المالكي ) من إنجاز ؟!

علاوي يدعي ان حزبه ( منظمة الوفاق ) طالب بعدم التدخل الأجنبي في إزاحة النظام السابق . والجميع يعرف ان كل الأطراف كانت تستجدي الأمريكان بالتدخل , عدى الحزب الشيوعي والدعوة , اللذين أعلنا معارضتيهما للتدخل الأجنبي.
وأراد علاوي أن يكحلها فأضاف , انه اتصل بحكومات الإقليم بعد احتلال صدام للكويت , واخبرهم بأننا بإمكانياتنا العراقية سنغير النظام . العراقيون يعرفون جيدا , ان منظمة الوفاق البعثية بزعامة علاوي تؤكد في نظامها الداخلي بأنها لا تعتمد على القوى الشعبية , بل على النخب العسكرية في إحداث انقلاب عسكري . وقد اتصل بحركة الوفاق بعض الضباط المعارضين لصدام , سواء من الذين هربوا إلى كردستان أو الأردن , أو من الذين استمروا في الخدمة . ونتيجة اختراق الأمن الصدامي لمنظمة علاوي تم استلام قائمة بأسماء هؤلاء الضباط , واعدم الذين تحت سيطرة النظام , واغتيال البعض الآخر في كردستان او عمان , ولم يسلم منهم الا من استطاع الهروب الى اوربا . وصمة العار هذه - والتي كان من الممكن ان تنجح مجموعة الضباط هذه في إزاحة النظام قبل عدة سنوات من ازاحة النظام لو تم العمل فيما بينها فقط –يعتبرها علاوي إنجاز , ويريد ان يدخله في موقف الرافض للاحتلال الذي ينفرد فيه الحزب الشيوعي بعد ان غرق الدعوة في وحل السلطة , الموقف الذي لم تتمكن أحزاب وطنية وقومية لها باع طويل في تاريخ النضال الوطني من اتخاذه أمام إغراء إزاحة صدام , فكيف بمنظمة علاوي الانقلابية ان تتخذه ؟!

في كلا الحالتين , ان كانت التصريحات صحوة ضمير , او الضحك مرة أخرى على ذقون العراقيين وإيهامهم بأنه اشرف من المالكي , لن تجدي علاوي وحزبه او قائمته نفعا , ما داموا مستمرين في اللهاث وراء المالكي ومجموعته لاقتسام حصتهم من السلطة , ولن يقبضوا من المالكي شئ بعد ان شعر بالانتشاء في نجاح مطاردته للهاشمي وطرد المطلك , وحصل على التأييد الضمني من كل الأطراف السياسية الشيعية التي توحدها المصلحة الطائفية . العودة بالقائمة " العراقية " الى ما صرحت به كذبا في بداية تشكيلها : بأنها عراقية وفوق الطوائف والقوميات , أي العودة بها الى تكتل سياسي وليس طائفي او قومي هو الذي سينهض بها . وطريقها الوحيد كما يعتقد الكثير من العراقيين , هو استثمار ما تبقى من الدورة البرلمانية الحالية , والدخول في معترك المعارضة النزيهة , وكشف انحطاط الأساليب الحكومية , والتي تعرفها العراقية جيدا . والأيام القادمة ستكشف هل ان التصريحات صحوة ضمير , أم إيغال في ذات النهج ؟