بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية

 


 

إضاءات مشرقة من حِكم المصطفى

قال الله تعالى في القرآن الكريم: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ}(الأحزاب:21) صدق الله العلي العظيم.
الاسترشاد بحكم النبي صلى الله عليه وآله.
النبي صلى الله عليه وآله رحمة الله التامة لعوالم الوجود، والاسترشاد بحكمه وهديه فائدة للإنسان في دنياه وأخراه، للرسول صلى الله عليه وآله إرشادات وحكم متعددة غاية في الإفادة، ،ونستعرضها كالتالي:
الأولى:أهمية الصبر.
من حكمه صلى الله عليه وآله: ‹‹من لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز››(بحار الأنوار للمجلسي ج68 ص83).
الحياة الدنيا فيها ابتلاءات ومصائب كثيرة على النفس والمال والولد، والأصدقاء الذين يحبهم المرء ويرتبط بهم عقدياً أو فكرياً يمرون بابتلاءات متعددة قد لا يجد الإنسان إلاّ الجزع إذا لم يصبر، وقد يؤدي جزعه إلى غير رشدٍ، وليس هناك في هذه الموارد إلاّ الصبر كما قال صلى الله عليه وآله، وإذا لم يصبر فقد ينسلخ من دينه، لذا أكدت الروايات على الصبر في مجابهة شدائد الحياة، والمصائب التي تمر على الإنسان وعلى من يحبه، والصبر على أداء العبادات واجتناب المحرمات، ذلك أنّ الصبر درع حصينة وجلباب يقي الكثير من المتاهات.
الثانية:التعامل مع الناس.
ومنها قوله صلى الله عليه وآله: ‹‹من قرض الناس قرضوه ومن تركهم لم يتركوه››، قيل: فأصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: ‹‹أقرضهم من عرضك ليوم فقرك››(بحار الأنوار للمجلسي ج74ص148).
هذه من أعظم الحكم فائدة للإنسان، إذْ أنّ طبيعة الناس إذا اعتدى عليهم أحد ردوا له الصاع صاعين، فأكثرهم لا يتقيد بالقانون، واتباع الدين، فإذا أساء إليه أحد حاول أن يزيد في رد الإساءة، ومن تتبع عورات الناس أو أساء إليهم أحاطوا به من كل حدب وتصيدوا عليه أبسط الأشياء، وذلك معنى قوله صلى الله عليه وآله: ‹‹من قرض الناس قرضوه››، فمن أساء بإساءة بسيطة، فإنّ إساءات الآخرين تجتمع عليه بأكثر مما أساء إليهم.
أما قوله صلى الله عليه وآله: ‹‹ومن تركهم لم يتركوه››، ففيه عمق الحكمة، فالإنسان حتى وإنْ كف لسانه، فإنّ إساءة الآخرين ستستمر أيضاً، أي أنّ من مشى على جادة الاستقامة والصواب لم يضمن كف ألسنة الناس عنه، وعليه إذا لم يُسِئ وأساء الآخرون إليه إيكال الأمر إلى الله تعالى، وجعل إساءاتهم في ميزان الاحتساب، لذا بيّن صلى الله عليه وآله أنّ من ترك الناس لن يتركوه، وانتبه السامع إلى غرابة ذلك، وأراد النبي ص أن يشير إلى بعض الناس الذين لا يسلم أحد منهم شأنهم تتبع عيوب الناس.
والتخلص من أذى هذا الصنف لا يكون إلاّ بعدم الالتفات إلى ما قال، و‹‹أقرضهم من عرضك ليوم فقرك››، ومعناه ادخر إساءتهم لك عند الله تعالى ليوم تحتاج فيه إلى الحسنات، وسيكافئك الله تعالى بإساءتهم إليك بحسنات في ميزانك.
الثالثة:التطبيق الجاد للإسلام.
ومنها قوله صلى الله عليه وآله، قال الله تعالى (حديث قدسي): ‹‹هذا دين ارتضيه لنفسي ولن يصلحه إلاّ السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه››(بحار الأنوار للمجلسي ج74 ص148).
يتحدث الحق تعالى عن الدين الإسلامي وعن عظمته، ويبيّن كماله وأنه ارتضاه لنفسه تعالى لاشتماله على ما يصلح دنيا الإنسان وأخراه، وإلى ما يصلح الكون كله، ثم يبيّن الحق تعالى احتياج الدين الإسلامي إلى أمرين:
الأول:الاتصاف بالكرم والسخاء.
من أراد أن يكون سائراً على شرائع هذا الدين فعليه أن يتصف بالكرم والسخاء والإنفاق في سبيل الله تعالى، وهذه الصفة غاية في الأهمية، إذْ أنّ كثيراً من الناس لا يفهم معطيات الكرم والإنفاق في سبيل الله تعالى، ويكتفي بالصلاة والصوم والحج وسائر العبادات، وعندما يحتاج أمر إلى بذل يتوقف، مع أنّ كثيراً من القضايا كالإصلاح بين الناس والإصلاح بين الأرحام والأقارب لا يتم إلاّ بالسخاء والإنفاق في سبيل الله تعالى، وقد يكون بإعطاء المال بنحو غير مباشر كما إذا كان المتخاصمون لا يحتاجون إلى المال، فهنا يكون البذل بنحو غير مباشر بجمعهم على وجبة طعام للتأليف بين قلوبهم، فالسخاء دوره أشبه بالزيت للمحركات، إذْ قد يصدأ المحرك أو ين**ر دون زيت، وكذلك الإنفاق في سبيل الله تعالى.
الثاني:الأخلاق الكريمة.
إنّ على المسلم التعامل بالخلق الكريم، وقد فسره صلى الله عليه وآله بمكارم الأخلاق - تحسن لمن أساء إليك وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك - فمن أساء إليك وكأنه لم يسئ، بل تكافئه بالإحسان بدل إساءته خصوصاً إذا كان من الأرحام أو الأصدقاء أو زملاء العمل، إذْ قد يبتلى بنمط من الناس جاف في علاقاته الاجتماعية، وغليظاً في التعامل فتحتاج إلى ترطيب الأجواء مع هذا الصنف من الناس، والحق تعالى بيّن أنّ الإسلام إذا لم يصحب بخلق كريم فلن يحسن، ‹‹فأكرموه بهما ما صحبتموه›› أي أنّ السير على القسطاس المستقيم والتطبيق الجاد لعبادات ومعاملات الدين الإسلامي لن يتم دون سخاء وحسن خلق.
الرابعة:مدارة الناس.
ومنها قوله صلى الله عليه وآله: ‹‹أمرت بمداراة الناس كما أمرت بتبليغ الرسالة››(بحار الأنوار للمجلسي ج74 ص151).
هذه من أعظم الحكم، وقد جاءت بتعبيرات مختلفة، ولبيان أهميتها قُرنت بتبليغ الرسالة، فكما لا يمكن التواني وإغضاء الطرف عن ذلك، كذلك الأمر في مداراة الناس، المداراة هي غض الطرف والتعامل بمكارم الأخلاق مع من يسيء إليك أو إلى غيرك، والبدء بتحسين خُلُقِه تدريجياً وأن لا تنظر إلى الجانب السلبي في تعاملك معه بل تنظر إلى إيجابياته وتغض الطرف عن سلبياته، تلك هي المداراة، إذْ لا أحد إلاّ ولديه كثير من السلبيات، وإذا رُكز على سلبيات الناس وذكرت بعض إيجابياتهم، فإنّ ذلك لن يروق لهم، بل قد تجاب من قبلهم بمثل ما أبديته لهم، ويقال إنك تتصف بذلك أيضاً، بينما عندما تبدأ بالجانب الإيجابي وتبرز هذه الجنبة لدى الناس ثم لا ترى الجانب السلبي بل تمر عليه مرور الكرام، وتعبر عمن اتصف ببعض السلبيات بقولك يحسن بك أن تترك ذلك الشيء الصغير ولا يليق اتصافك به مع صفاتك الجميلة، عندئذ يتعامل الناس وإياك برفق لدفء العلاقة ووئام المحبة، وذلك مصداق قوله صلى الله عليه وآله: ‹‹أمرت بمداراة الناس كما أمرت بتبليغ الرسالة››


 

الكاتب | ماجد حميد الدبياني