بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية

   
 احتلال. تحرير. تغيير

عبدالمنعم الاعسم
m14mm@yahoo.com

مر التاسع من نيسان قبل ايام، كما مر في الاعوام السابقة، وسط مشاعر متضاربة بين الاحتفاء والخذلان والترقب والتامل، غير ان الجديد، هذا العام، يتمثل في خروج الجدل حول تسمية ما حدث في ذلك اليوم من الحدود الضيقة والهمس وبعض الاقنية السياسية والمقالات الى الهواء المفتوح، ما اذا كان تحريرا، او احتلالا، او تغييرا، او سقوطا للنطام، والجميع يقدمون البراهين، لكن ثمة خندقة واضحة في زوايا النظر، وثمة غلو في شطب الراي الاخر، وثمة نعرة واحدية في التوصيف السياسي، التي جميعا من الارث السياسي التقليدي.
من زاوية موضوعية، وفي رأيي، فان جميع التوصيفات السياسية اذا ما اخذت مستقلة عن بعضها صحيحة، فان ما حدث يوم التاسع من نيسان العام 2003 كان تحريرا بالمعنى العام لتحرير العراق من حكم عرف بالشمولية والفردية ونظام الحزب الواحد، وقد تمت عملية التحرير بحرب ضروس نظامية هزم على اثرها جيش النظام الحاكم، وحررت عاصمته ومدنه من بقايا النظام، وحدث، ما يحدث عادة في جميع احداث التحرير في العالم فراغ سياسي يتخذ شكله من تناسب القوى البديلة ومن ادارة وفلسفة المنتصرين.
وما حدث في ذلك اليوم كان احتلالا نموذجيا بدلالة القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة ونص القرار 1483 لسنة 2003 إذ وصف حال دولة العراق بانها محتلة وسمّى القوات الاجنبية بأنها (سلطة احتلال) لكن المجتمع الدولي ودولة الاحتلال اكدا معا ان الاحتلال مؤقت وانه سينتهي باعادة تاهيل النظام البديل وتشكيل حكومة منتخبة واستتباب الامن، ولم يكن، في رايي، ان يطول عمر الاحتلال كل هذه السنين لولا دورة العنف والنشاط الارهابي والاحتقانات الطائفية وانتشار المليشيات الطائفية المسلحة، في حين من السذاجة القول بان قوات الاحتلال انما دخلت العراق في رسالة اخلاقية إنقاذية مجردة.
ويُعد التاسع من نيسان، ايضا، يوما للتغيير في العراق، بكل معاني الكلمة، فقد جرى تصفية الطابع العام للسلطة والادارة وسلطة القرار تماما وضاقت (او انعدمت) الى ابعد الحدود فرص عودة النظام السابق، مع استدراك القول بانه ليس كل تغيير يتخذ مسار الصعود الايجابي والنوعي، ففي بعض حالات التغيير (كما هو الحال في العراق) ينقذف البلد فيه الى دوامة من الخيارات والصراعات، قد تطول او تقصر على وفق نضوج البديل السياسي للنظام السابق.
وفي هذا اليوم سقط بشكل مدو ومثير، نظام سياسي بكل ادواته ومتعلقاته السياسية والادارية، فهو يوم السقوط، في ابسط توصيف له، سقوط الحاكم وهزيمته، وسقوط بغداد العاصمة بعد حرب ارضية وجوية غير متكافئة، والسقوط دائما(وفي هذا تكمن اشكالية التعريف) يتم في المعنى الفيزيائي(بشكليه الحر وغير الحر) من الاعلى الى الاسفل، لكن في الاحداث التاريخية ليس (الاعلى) هو الاكثر عدالة دائما، فان سقوط نظام الفاشية الالمانية يعد انتقالة نوعية في التاريخ الحديث لكبح نظم الحرب والقهر والاستعمار.
اعرف ان الامر اكثر من اختلاف اكاديمي حيال التسمية المناسبة ليوم التاسع من نيسان ، ولا اشك ان تحت اي تعريف منهج مسلح بالحجة.. الى وقت يتم فيه تقارب المناهج عند رحاب العقل.. وليس ذلك اليوم ببعيد.
ـــــــــــــــ
كلام مفيد:
" كلما اقتربت القوانين من الواقع أصبحت غير ثابتة، وكلما اقتربت من الثبات أصبحت غير واقعية".
اينشتاين