بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية


 

المثقف بين الواقع والتوقع

 

بقلم حمزة علي  البدري

لا مراء بان المثقف هو بارمومتر ومحرار دقيق الحساسية انه كميزان الصائغ يتاثر بوضع ادنى شيء في كفته فانه ينصف ولا يجحف ,  وانه قطرة الزيت المقدسة في ماكنة الحياة والتقدم والتغير ,  ويقاس بقدر استطاعته اجتذاب الراي العام والتاثير فيه ..  انه يمتلك سلطة الرقابة والكشف ويفض بكارة الاشياء ويتفجر تعبيرا وتثويرا واستقلالية عصماء ولن ولم يكن حاجة في جيب احد ولا مستأجرا عند مستاجر انه يحمل رائحة الناس وهموهم وتطلعاتهم وكلما يزداد التصاقا بالشعب يزداد اقتدارا بالوقوف في وجه التحديات والتطويقات فهو يتكلم بالغة الصعبة لغة التحدي والمنازلة والثقة بالنفس لغة البركان المتفجر الذي لا تنبت على قمته اعشاب الخوف والتردد والتراخي والانخذال . انه يجيء للواقع كما يجي النور للظلام , وكما ياتي الدواء للداء والماء لظاميء الصحراء فهو بوليصة تامين ضد التخلف والضياع والخداع وضد المحسوبية والطائفية والعنصرية والتبعية وبيع الضمائر في سوق الحرامية . فالمثقف الاصيل يختم بالشمع الاحمر ابواب الياس والاستزلام ولا يكون تابعا ذليلا الى متبوع بيده مفاتيح المنصب والمال والسطو والسلطة فالمثقف الحقيقي الذي يجاهر بكلمة الشرف وشرف الكلمة ويفرز هورمونات الوطنية الصادقة والديانة السامية والمتسامية والنفع العام انه يظل يحمل باليمنى سيف الحق والحقيقة وباليسرى انجيل الصدق والمعاناة و وثيقة اعادة الاعتبار لكل الذين همشوا واهملوا لان جنايتهم لا يحملون المباخر في مواكب السلطان ولا يجيدون التطفل على موائد الاخرين ولا يتقنون الاستجداء والاستحذاء والعمالة والصلاة في محراب الذل والخنوع .

يالعقم اللغة لو استطيع ان اخلق كلمات جديدة واخترع اسلوبا نوويا ادمر فيه بائعة الضمائر وماسحي احذية المتسلطين ومزوري الصكوك وناهبي المال العام ومصاصي دماء المقهورين ومنتحلي القاب الدكتورا والماستر والاستاذية وفق شهادات مزورة من جامعة " مريدي " ومن جامعات الدول التي استضافتهم وحولتهم الى دمى يحركونها وفق اهواهم ورغباتهم فالمثقفون الاصلاء دائما وابدا لن يتحولوا الى بيادق شطرنج يحركها الاخرون لتحقيق ماربهم الحقيرة واطماعهم الخسيسة من اجل ان يجعلوا هذا البلد العريق غارقا في لجج التمزق والتطاحن والضياع ان المثقف الذي نريده ينبغي بل يجب ان يحمل مبضع الجراح وسلاح الجندي وهندسة المهندس ومهارة الصائغ فهو مستودع لكافة المهارات والابداعات والكشوفات ويطرد كل النفايات الفكرية والاجتماعية والسياسية والاخلاقية .. اما المثقف الجامد الراكد فهو فقاعة عائمة على مستقنع الركود والضياع انه رائدة دودية ان بقيت في الجسم فهي عديمة الفائدة وان هاجت وجب استصالها , اننا نتوقع من المثقف ان يكون كالضوء لان سرعة الضوء اكبر من سرعة الصوت فهو مبدع وليس تابع , يبصق احتقاره في كل الوجوه الصدئة وجوه الطغاة العتاة والانتهازين المتسولين والعملاء الماجورين الذي يتساقطون مع الايام تساقط الذباب على موائد الحلوى , فالمثقف المنصف الواعي الراعي لقوافل المضطهدين والمسحوقين يظل عالي الراس كصواري المراكب يهزأ بالمخاوف والمعوقات ولا يكترث بالمصاعب والمصائب وينازل بشجاعة كل الاعداء في ساحة المبارزة والمنازلة لانه الباحث عن الحقيقة والكاشف لها عبر المظاهر الزائفة والاختلاطات المتشابكة ولا يمارس أي تاثير وفاعلية الا عبر وسائط و وسائل تتفق مع مبادئه وتليق باهدافه وغاياته انه يحرر المتعبين والمنهوكين من اقمطة التخلف والزيف والتبعية المذلة لناهشي الارض والعرض ويزرع اصابع الديناميت في دروب الذي يعزفون ويرقصون على وقع طبول الارهابين والدخلاء والاجراء الذين يخشون المثقف الذي يمتلك روحا مصفحة بالايمان ولا يخشى افران العذاب والتعذيب , لانه محكوم بالركض وراء المستحيل ويحتقر نشر الشباك في طريق الحمائم ويميز بوضوح بين صوت العندليب وصوت الغراب . ولا يختفي تحت اغطية الملق والتزلف ولا يحترم الاغضاء عن الاخطاء لانه مفعم بالكبرياء والاصالة ويزرع الضوء فوق المناطق المعتمة ويضمد جراح المجروحين ببلسم الشفاء " من علل الكتل " لانه ملتصق بخافق الناس ويفضح ويعري النفوس المتهالكة على حب وعشق الدينار والدولار قبل الوطن وحب الامتيازات قبل الولاء للمباديء والقيم . اجل اننا نتوقع وبالحاح من المثقف ان يطرح بواقعية وموضوعية حقيقة الذين يضمرون الشر ويجيدون صناعة الاقنعة .فالثوري المنغمس في شراين الناس يخضع " لقانون الاثر"   الذي ينقل للمتلقي جمالية الحياة وقبحها وازمات الواقع واشراقاته ونتيجة لهذا القانون لا يسقط من عمله كل تفاهات الواقع ولحظاته السوداوية المفجعة والمميتة فالمثقف الذي يمتلك ثرورة لغوية واسعة ودقة ملاحظة وقدرة فائقة على الكشف الانساني يكون قادرا على رسم نماذج بشرية مبدعة واصيلة لانه يفكر بالامة قبل الفرد وبالمستقبل قبل الحاضر وينفع الاخرين قبل نفسه ويتفانى من اجل القيم قبل المصالح ويعطي اضعاف ما ياخذ واحيانا تبدو حياته كما لو انها تضحية دائمة ومن دون مقابل سوى ارضاء الضمير وشعاره الدائم " الانسان بما وهب وليس بما كسب " .

ويقينا  ان المثقف الذي يقف على تراث شامخ من الوعي الثاقب والمسؤولية الحصينة والجدية المتجددة في تجاوز الاخطاء وايجاد البدائل المبدعة هو القادر بالتاكيد على قتل الفايروسات القاتلة فكريات الدم البيضاء والحمراء عند المثقف تمتلك مناعة صلدة ضد كل المتغيرات المزعجة . فالمثقف الخلاق مولع بالمواجهات الصعبة والاختيارات القاسية ولا ينوء تحت ثقل الاسماء والمسميات المفروضة ولا يخشى المصيدة المهياه لأصطياد البلابل المقدسة الغناء .

ان المثقف الذي نريد هو البوصلة التي تهدينا الى مرافيء التغير المنشود , انه يختصر الاحداث والاحاديث التي تثقل على القاريء كما نراه دائما ملتزما الايمان بالانسان وبدون هذا الايمان يفقد المثقف والمبدع الارضية التي يقف عليها ويجب ان يؤدي ضريبته ويتحمل جانبا من مسؤولية المعارك التي يخوضها الشعب والوطن والانسانية ويشارك بفعالية واقتدار في تنمية الوعي لدى الجماهير القارئه لانه غائص في تجارب الحياة وهو لوحة العصر وملهم العزائم ولا يميل الى المحاباة والمجاملة لانه مقاتل نظيف وهو اكثر حساسية من عباد الشمس انه كالخيول الاصيلة تشم رائحة المطر قبل سقوطه ويجيد السير بثقة وشموخ في دروب كثيرة المنعطفات ويعرف المكان الذي يقف عليه لانه يمتهن التفكير والتدبير والتثوير وحذاري من الفساد والافساد ولله در السيد المسيح عندما قال اذا فسد الملح فبماذا  يملح  .

 

Hamza_albadre@yahoo.com