بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية


   
 دكتوراه في الخامسه والخمسين...أبن القريه الجنوبيه وعدم تكافؤ الفرص

خيون العكيلي

بتاريخ 8/5/2010 تم وبحمد الله منحي شهادة الكتوراه من جامعة أوكلاهوما في ستل واتر/ الولايات المتحده الأمريكيه (وفي أختصاصين: الجيولوجيا والهندسه المدنيه) وبتفوق. وجاءت هذه الشهاده بعد حوالي أربعه وعشرين عامآ من حصولي على الماجستير من جامعة أريزونا في توسان/ الولايات المتحده الأمريكيه أيضآ.
ولكن ماهي حكاية أبن القريه الجنوبيه وعدم تكافؤ الفرص:
كانت البدايه في قرية عكيل التابعه الى ناحية قلعة سكر/محافظة الناصريه حيث ولدت وكنت الولد الثاني بين تسعة أبناء وبنات لعائله فلاحيه معدمه لم تمتلك أكثر من قوتها اليومي من خبز الشعير. كان والدي (رحمه الله) فلاحآ ولكن لا يمتلك أرضآ خاصه به (لحين أصدار قانون الأصلاح الزراعي). بل كان يعمل فلاحآ لدى الملاكين الكبار ليعيل هذه العائله الكبيره. أنه جهادآ وليس عملا عاديآ. جهادآ كانت نتيجته أن سته من أبناء هذه العائله المعدمه اكملوا تعليمهم; أقلهم دار المعلمين.
المدرسه الأبتدائيه التي درس بها أخي الأكبر وأنا وأخي الأصغرمني هي مدرسة الأماني الأبتدائيه التي كانت تبعد عن بيتنا أكثر من 2 كم. ولك عزيزي القارئ الكريم أن تتصور صعوبة الذهاب مشيآ الى هذه المدرسه (وحفاة ) يوميآ, صيفآ وشتاءآ, حرآ وبردآ, مطرآ وصحوآ. كنا من النادر أن نغيب لأننا نخاف من المعلمين حتى الموت (تحية أجلال وأكبار لمعلميني الأفاضل والرحمه والغفران الى من غادرنا منهم الى الدار الآخره) . المدرسه أبتدائيه وكانت شهادة السادس الأبتدائي أعلى مرحله لمعظم أبناء القرى الجنوبيه. كون الغالبيه العظمى من أبناء القرى يعيشون فقرآ مدقعآ ولا يستطيون أرسال أبناءهم الى المدينه لأكمال تعليمهم في المدارس المتوسطه والثانويه. وكأن أبن القريه ليس عراقيآ ولا يحق له أن يتعلم. بالمناسبه كانت القريه التي فيها مدرسه أبتدائيه محظوظه. لأن معظم القرى لا تتوفر فيها حتى المدرسه الأبتدائيه.
فماهي الفرصه المتاحه لأبناء المعدمين من أبناء القرى الجنوبيه لأكمال تعليمهم؟ وماهي مسؤولية الدوله تجاه هؤلاء الذين تطفوا بيوتهم على بحيرات من النفط؟ الجواب قد يكون صعب الأستيعاب على القراء الكرام الذين لم يعايشوا تلك الحقبه القاسيه على أبتاء الريف الجنوبي وأنا منهم وقد عانيت ما عانيت منها.
لقد كانت الحكومه تمول قسمآ داخليآ لأبناء القرى في مركز القضاء (وليس الناحيه) ليتمكن البعض منهم من أكمال دراسته. من هم هؤلاء الذين كانو يقبلون في القسم الداخلي من أبناء القرى؟ أنهم الأوائل على المدارس. أي أن الطالب الناجح الأول من كل مدرسه أبتدائيه ريفيه فقط يجد أمامه فرصه لأكمال الدراسه. وبالمقابل فأن الفرصه متاحه لكل من يتجاوز الدراسه الأبتدائيه من أبناء المدينه أن يكمل دراسته لكون المدرسه المتوسطه أو الثانويه متوفره. فأي نظام هذا الذى لا يوفر الفرص أمام أبناءه ألا أذا كانوا في المدينه. كيف يتطور البلد أذا كان ريفه مهمل ومحروم من كل شىء. ولماذا يلومون الفلاح أذا هجر الريف الى المدينه؟ والحقيقه فأن نظام الحكم في العراق وخلال القرن الماضي والى الآن مبني على أسس لا تؤمن تكافؤ الفرص. فكل الحكومات ملكيه أو جمهوريه, دكتاتوريه أو ديمقراطيه, دأبت على أن تركز أعمارها على العاصمه أولآ ثم مراكز المحافظات ثم الأقضيه والنواحي. أما القرى والأرياف فلا أحد يتذكرها ألا اللهم (سابقآ) عندما يحتاجون أبناء القرى ليسوقوهم الى الخدمه الألزاميه. أما أن يحلم أبن الريف بأن تأتيه السياره الحكوميه لتأخذه الى المدرسه أو أن يزور ساعي البريد القريه مثلا (استغفر الله) ليوزع البريد على أهل الريف. أو مثلا أن يحلم أبن الريف بسيارة الأسعاف أو سيارة الطوارئ عند الحاجه (هذه الأخيره أصبحت مستحيله حتى لأبن المدينه في وقتنا الحاضر). فهذه أمور قد تحصل في بلاد الواق واق ولكن ليس في العراق.
على كل, لنعد على أصل الحكايه. ففي مدرسة الأماني وقبل سنه من تخرجي منها كان الطالب الأول على طلبة الصف السادس أخي الأكبر والحمدلله قسمت له فرصة دخول المتوسطه في الرفاعي. وفي سنتي كنا نتنافس منافسه شريفه أنا وزميلي في المرحله (ع ع) الذي كان يكبرني بثلاث سنوات تقريبآ على الأولويه وقد كات القسمه من نصيب ع ع ولو أن الفرق بيننا كان أقل من درجه واحده في المعدل ولكن هذا لم يشفع لي وبذلك فقد التحق زميلي ع ع في المتوسطه في الرفاعي (وهو أستحقاقه) وبقيت أنا أواجه المجهول. وكان أمامي خياران أما نهاية رحلتي الدراسيه أو الألتحاق بثانوية الزراعه التي كانت توفر القسم الداخلي لطلابها. ولحسن حظي قررت الألتحاق بثانوية الزراعه في الشطره. وأعتقد كان ألتحاقي بالزراعه نوع من السابقه التاريخيه. فلم يحصل من قبل أن يلتحق بالزراعه من هو صغيرآ في العمر كما كنت أنا (كان عمري في حينها 12 عامآ) حيث كان طلاب الزراعه من كبار العمر نسبيآ مقارنه بالمتوسطه الأعتياديه. ولم يلتحق بالزراعه طالبآ متفوقآ قبلي (كان معدلي حوالي 89.5). وألتحقت بالزراعه و حرمت من فرصة الدراسه في المتوسطه الأعتياديه والتي لو أتيحت لي لتوفرت أمامي فرصه لدخول أحدى الكليات كغيري من عباد الله من أهل المدينه. فمن المسؤول عن هذا الحرمان بحقي وحق غيري من أبناء الريف؟ من المسؤول عن عدم تكافؤ الفرص بين العراقيين؟ من الذي نقاضيه أو نطالبه بحقوقنا التي أغتصبتها أنظمه متخلفه (كانت ولا زالت) لا تفهم أن كل العراقيين وأينما كانوا (ريفآ أو مدينه, محافظه أو عاصمه) يجب أن تتاح لهم نفس الأمكانيات من حيث التعليم والخدمات الأخرى وأن يكون الأ فق مفتوحآ أمام الكل بالتساوي؟؟
على كل حال التحقت بثانوية الزراعه في الشطره وبدآت رحلة السنوات السته (الى أساتذتي في الزراعه تحية أحترام وتقدير والى زملائي من الطلبه خالص تحياتي وتقديرى). النهايه المتوقعه لخريجي الزراعه هو العمل لدى الحكومه كموظف زراعي أو معلم (للمحظوظين منهم). أما بالنسبه لي فقد أكرمني الله (سبحانه وتعالى) فرصه تعليميه أخرى حيث صدر قرار من قبل وزارة التعليم العالي يسمح بموجبه للمتفوقين من خريجي الثانويات الزراعيه بالتقديم الى المعهد الزراعي الفني في أبو غريب. وبما أني كنت الثالث على زراعة الشطره فقد تقدمت للقبول في المعهد الزراعي وقبلت فيه وتخرجت بعد سنتين من قسم التربه في المعهد وكنت الأول على الدفعه وتم تكريمي (ضمن الأوائل على مؤسسة المعاهد الفنيه) بهديه بأسم رئيس الجمهوريه في حينها (أحمد حسن البكر). بعد المعهد طبعآ كانت العسكريه التي عانى منها جيلنا ماعانى.
لا أطيل عليكم, بعدها وفي حوالي العام (1976) حصلت على بعثتين دراسيتين: الأولى من مجلس قيادة الثوره الملغى وكانت بالأسم ولكافة الخريجين الثلاثه الأوائل على الكليات والمعاهد. وكانت بعثات المعهد الزراعي للعام 1972-1973 من نصيبي (الخريج الأول ) والثانيه لزميلي علي جوهر من خانقين والثالثه من نصيب زميلنا جواد كاظم من الشطره على ما أتذكر. وكانت هذه البعثه للحصول على البكالوريوس وكانت الدوله التي قبلت بها هي بلغاريا. ولحسن الحظ لم تكتمل أجراءت البعثه لحصول خلاف بين وزارة التعليم العالي العراقيه والحكومه البلغاريه حول مدة الدراسه ليكرمني الله (سبحانه وتعالى) ببعثه من مؤسسة أستصلاح الأراضي للحصول على البكالوريوس والماجستير ومن أمريكا. والحمدلله التحقت في جامعة ولاية كاليفورنيا الأمرييه/ جيكو وحصلت على البكالوريوس وبمرتبة شرف (Cum Laude)من كلية الزراعه في الجامعه أعلاه (أختصاص تربه وري) وقد كرمت من قبل الجامعه في حفل خاص لتفوقي. وأتذكر أهم ماقلته في كلمة شكري للجامعه في ذلك الحفل:
"سيداتي وسادتي أود بأن أعرفكم بنفسي أنا الواقف أمامكم ممنونآ لكرمكم ورعايتكم لي قد جئتكم من قريه في منطقه نائيه في جنوب العراق. وقريتي ياسادتي لم تعرف الكهرباء ولا الماء الصالح للشرب ولا أي من مقومات الحضاره. سادتي أنا الواقف أمامكم بخشوع أكملت دراستي الأبتدائيه والثانويه على ضياء الفانوس (وهنا ضجت القاعه بالتصفيق عندها لم أتمكن نن حبس دموعي) وأكملت كلمتي ونزلت من المنصة ليفاجأني عدد من الحاضرين نهضوا من مقاعدهم ومعظمهم اساتذه كبار ليهنئوني على ماأ نجزته"
الحقيقه كان ولازال لهذا التفوق الأثر الكبيرفي نفسي ليس لكوني تفوقت في بلد غي بلدي ولغه غير لغتي وتفوقت على زملاء لي من مختلف بقاع العالم ولكني أعتبره رد على سياسة تجهيل الجنوب العراقي وخاصه الريف الجنوبي التي مارستها الحكومات المتعاقبه وكأن لسان حالي يقول لهم "ها أنا أبن القريه الجنوبيه أنتزعت فرصة التعليم التي حرمتوني منها بل وتفوقت..."
بعد البكالوريوس تحولت من كاليفورنيا الى جامعة أريزونا في توسان/ أمريكا. وأكملت الماجستير في كلية الهندسه (هيدرولوجي) وبتفوق (جيد جدآ (3.65/4) في الدروس وأمتياز بالنسبه للرساله). وعدت الى العراق ليرسلوني الى الجبهه حيث الحرب العراقيه كاتت مستعره وكأن الحرب محتاجه الى ماجستير من أمريكا ليدافع عن "البوابه الشرقيه للأمه العربيه"!!!
بعد الماجستير عملت في وزارة الري الملغاة وقدمت دراسات أروائيه وهيدرولوجيه منفردآ أو بمشاركة زملاء أخرين غطت العراق من دهوك الى البصره ومن بدره الى الرطبه. ثم تحولت الى التدريس في كلية الهندسه الجامعه المستنصريه حيث درست الهيدرولوجيا الهندسيه والأحصاء الهندسي في قسم هندسة البيئه لمدة ثمانية سنوات وفي القسم المدني لسنه واحده.
وبعد هذه الرحله الطويله بين قرية عكيل والشطره وبغداد وأمريكا ثم بغداد, عدت الى أمريكا وبالذات الى جامعة ولاية أوكلاهوما في العام 2005 لأكمل الدكتوراه بالمده المحدده (2010) وبتفوق (4/4 حسب نظام الدرجات الأمريكي) والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
أرجو أن تكون حكايتي هذه حافزآ لأبناء القرى الجنوبيه وأن لا يقف أمام طموحهم شيئآ وأن لا يتوقعوا طريق مملوء بالورود بل أن يستعدوا على السير رغم أن البعض يضع العصا في العجله. وأرجو أن أكون قد جلبت الى الأنتباه الى سياسة عدم تكافؤ الفرص التي تمارسها الحكومات المتعاقبه. وشخصيآ أعتبر سياسة القبول المركزي الحاليه لا توفر فرص متكافئه أمام العراقيين أذ كيف يتساوى من تتوفر له كل الفرص من مدرسه ممتازه ومدرسين أكفاء (وهم نفسهم الذين يضعون أسئلة البكالوريا) وتدريس خصوصي مع أبن الفقيرفي قريه نائيه والذي يذهب الى المدرسه صباحآ ويعمل بعد الضهر وحيث المدرسه المتخلفه والمدرسين محدودي الكفاءه. كيف يتم تقييم هذه الحالتين على نفس الأسس؟ حاله متوفره لها كل أسباب النجاح وحاله تتصارع مع الواقع المتخلف لتحقق نجاحا في صراع ضد التيار؟
وعذرآ للأطاله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خيون العكيلي