بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية

 

                                                  في ذكرى شهيد

رجل يحمل الكثير من ملامح الجنوب الجميلة الممتلئة بالحب والطيبة والغيرة والشجاعة, تلك الشجاعة التي أصبحت محكا ً لمعدن الرجال اللذين يقولون للظلم وللقتل لا...لا لعدو الإنسانية. لا .... لقتل الحياة التي تزدهي بنفسها, هذه الحياة التي تتكلم بصمت عن ما كابدته, وما جربته في خضم الصعب منها , ومن وضع لنفسها علامة للكبرياء الذي يبقى متواصلا ً أمام البشرية كي يعرف أي ألم مرً في العراق ؟ وكم من جروح ظلت تنزف في عمق الصرخات التي تشير للأمل بالاقتراب من حواف اللوعة المكتومة كحشرجة ظلت تنفذ من ثقوب القلب حين ينزف. هكذا يطيل الحزن ليله المغلق كي لا يتسلل الخنجر نحو بقية دفء يحتك به برد الأجساد النحيفة. كيف يكون الغناء الفرح العاري صورة لحلم يخاف أن يروي حلمه لنفسه, و للآخرين مع ذلك.
رغم المستقبل المظلم المجهول بدأ (خضير شهد) مقتنعاً بحمل السلاح وقتال البعث المجرم مضحيا ً بكل ما يملك وتاركا خلفه أصواتا تتعالى له بالدعاء . لم ينثني أو ينحني ولم يهزه الموت والقتل الجماعي الذي تفشى في الشارع العراقي أيام الانتفاضة ألشعبانية عام 1991 ورغم ما فعله الجلاد صدام وأعوانه بخيرة الأبطال الأشاوس استمر البطل خضير وهو من إبطال  قلعة سكر شمالي محافظة ذي قار بمقارعة الظلم ولم يعرف في نفسه مبدأ الخضوع والتنازل رغم روحه الطيبة وقلبه الأبيض كثوبه الذي ما عاد يهفهف على جسده الفتي . وبعد أن استطاع الحاقدون من إيقاف نبضات قلبه و الإجهاز على آخر أغنية إنسا بت من فمه , وإنزال أسوء الإصابات والنكسات فيما استمر الفاشيون باللعب على جسده , و من عائلته وأطفاله بالانتقام والقتل ليس من المجاهدين فحسب بل حتى من عائلات أبطال الانتفاضة . هنا لم يجد المناضلون سبيلا غير مغادرة الوطن بسبب بطش الأجهزة القمعية التي تلقت من جديد الإشارات التي وصلتها من جهات أخرى والاتجاه نحو مقر القوات الأمريكية المعسكرة في صحراء المملكة العربية السعودية وهناك احتجزوا المناضلون في مكان يدعى ( ألارطاوية ) شمال المملكة العربية السعودية ارض لا علاقة لها بالحياة ولا تمت إليها بصلة , لاشى غير الرمال والعواصف والكثبان الرملية . رغم التغير الذي قد مر به رجل مدينة حر يعيش معتقلا بالصحراء, نفس الوجوه و نفس الحديث أضف إلى ذلك الانهيار العصبي الذي يتعرض له المعتقلون من سوء المعاملة. بقي ( خضير) محافظا ً ومتمسكا ً بالطيبة التي تنبثق من أعماقه . هذه الطيبة التي جعلته أن يكون أخاً للجميع في المعتقل , وخاصة في المكان الذي تحيط به الأسلاك . ولدماثة أخلاقه أصبح مسؤولا ً عن ذلك المكان . لقد ظل سباقا ً في حل المشكلات التي قد تحصل وتهدئة الخلافات التي تحدث يوميا ً بين المعتقلين, بسبب الاضطهاد والشد النفسي والعصبي , وهكذا بقي المناضلون على هذه الحالة لسنوات وهم يترقبون الفرج . وظل خضير على حاله, طيب القلب وصبورا ً لم يفقد شيئا بل ازداد طيبة وتمسكا ً بالصبر . وهكذا ساعده الرب , وسهل أمره .
سافر خضير إلى الولايات المتحدة الأمريكية كحمامة ضربت بجناحيها قضبان القفص وحلقت عاليا ً. و من هناك أتقن اللغة الانكليزية, واستمر بالتواصل مع أصدقائه بالمعارضة العراقية إلى أن عاد إلى العراق بعد غربة سنين طوال وبقي هناك لمدة سنة حتى نالت منه يد الظلم برصاصة عزلت روحه الطيبة عن جسده الطاهر .
( خضير) لم يمت في أيام الانتفاضة عندما قاتل البعثيين . ولم تنل منه الصحراء القاتلة في ( رطاوية ) ولم يمت في أمريكا ...... خضير استشهد على تربة وطنه العراق .
من كل هذا تحول الرمز إلى حقيقة لا يمكن جعلها حالة لحظات مرت, لهذا بقي الشهيد عاريا ً ليعري معه ما تركته البشرية في اتساع ممارسات الارهاب القاتلة. وهكذا تحول النسيان إلى استرجاع لحنين باكي وإلى صورة معلقة على جدار ليشهد الفراغ وجودها , وليس عجبا ً هنا من يتذكر هذه العظام الصامتة التي صارت رميما ً , ولأن اسمه يعني خضرة الوجود وطعم العسل الذي ثبت في صورته من يشهد على موته الذي صار استشهادا ً كرمته الأرض وحدها .
قد انثر ألما ً حين استذكر من مات حيا ومن ظل معلقا في جدار الصفحات التي مازالت تنوح بين شفة الأبناء مثل حمامات ترفض التحليق نحو الغيوم هي وحدها التي لا تنام لأنها موكولة بمراقبة الروح ومتابعة ما تركت من ذكريات
ربما تصبح هذه الحروف طيورا تظل معلقة بين الشفاه أو وحدها من تستر نفسها بالتراب الذي تحول إلى تنويمه لم تكتمل بين شفاه الأطفال. وهكذا ينهض الأطفال من نومهم لكي يحققوا صور من رحل عنهم. لو مات الموت بأي كلام يتحدث معه الصمت ودموع الذكرى ؟ قليل أو كثير هو الكلام لكن أنقاه من يجعل الأيام نواحا ً لفاختة توقد دفء الحياة بصوت الصباح .
سلاما أيها الساكن بين الكلمات التي تلمس رجفتها في وجه قد يشبهك وربما أنت من تخفق في دعة تلمسها الشفاه. ولكي أجعلك حيا ً فأني أقبلك عبر من تركت له أغنيتك الأخيرة التي أهاجها نواح قصب الجنوب.أعرف أني لا أكتفي بحزن الجنوب الفتي دائما ً ولا بالخوف الذي واجهت به الموت. لأن نواح الحمام تعلم منك حزن الجنوب وصوت القطار وبكاء الصغار وخرير الماء ولوعة الفقدان. هل يكفي هذا . إنه يظل منتظرا ً أن يبعثك في الحلم الذي يقول دائما ً : أيتها الشمس لا تغيبي . وأنت أيها الصمت الذي يقول: ياثوب حزني كلما بهت لونك , فأني سأزيدك سوادا ً .

محمد الخياط
التجمع الاجتماعي الديمقراطي