بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية


 

          سأعريكم  كما يعرى الموتى عند  الغسيل.. !!! 

ماجد الكعبي 
 

المكان:  محافظة ذي قار, ناحية قلعة سكر- عائلة المرحوم سامي سعود العزيز والد الشهيدين صباح ونجاح

 

قلعة سكر , في هذه المدينة الحالمة المستحمة في نهر الغراف ,  التي تنشر ضفائرها مع خيوط الشمس على نخيل وأشجار بساتينها العذبة , هذه المدينة  التي تتكدس الأحزان في قلبها,  وتسيل العذوبة والشفافية من شفتيها , هنا نرى ونجد ما يعكر الأجواء النفسية ,  ويمزق الأفئدة الحية ,  من مشاهد تستدر الدموع والوجع ,  وترمينا في دائرة الذهول والآلام والدهشة والاستغراب ,  عندما تنشد عيوننا إلى صور ومناظر تفطر القلوب ,  وتكدس في نفوسنا أكداس الحزن والفجيعة واليأس , ففي بيت ,  بائس ,  متهالك , يئن تحت وطأة الاستفلاس المهلك والعوز المدمر , و يحكي ملحمة مأساوية  , نسجها أسوء نظام دكتاتوري همجي في العالم ,  ألا وهو حكم وتحكم الطاغية المقبور ,  سيء الذكر والصيت المجرم المنبوذ صدام حسين .. في هذا البيت ,  عجوز تعيسة ,  منكوبة ,  معذبة , حبيسة الفواجع ,  ورهينة العذابات ,  والمنغصات والدموع ,  فلا شيء في الوجود يريحها ويسعدها سوى المقبرة , التي استودعت ,  فيها ولديها الشابين الشهيدين ..

الشهيد صباح سامي سعود

 الشهيد نجاح سامي سعود

اللذين  أعدمهما زبانية الملعون المطعون  صدام ,  وكل جنايتهما أنهما لن يمتثلا للانخراط في حرب القادسية المشئومة .

إن هذه الأم المنكودة ,  التي تفترش بساط البكاء والتوجع ,  فكل  تعبير مهما تسامى , وكل  وصف  مهما تعالى , عاجز ومشلول وخائر ,  عن وصف حالتها المتردية والمزرية ,  والتي تستدر العطف والتعاطف حتى من الصخور .

 فقد أطفاءت كل الاضوية والأنوار أمامها  , وقد سلخت أطياف الابتسامة من شفتيها ,وأظلمت كل الأضواء  والمباهج أمامها ,  وان كل كنوز الدنيا لا تعوض عن فقدان ريحانتا وجودها ,  فتراكمت على كاهلها المتعب المنهوك ,  تلال المصاعب والمصائب والماسي المتوالدة والمتلاحقة .

ومما زاد الطين بلة ,  والقلب علة ,  أن القدر الأحمق و المقادير الجائرة ,  وسوء الحظ ,  لم يكتف بما أصابها من كوارث ممزقة ,  بل أكمل مسلسل الفواجع برحيل  زوجها كمدا على استشهاد ولديه ,  فرحل عن الدنيا ورائهم  , وارتاح من حياته المرة المريرة  , التي لم يحصد منها غير البؤس والشقاء ,  وفقدان فلذات القلوب  , ومعاناة ومقاساة التنكيل والملاحقة والاهانات المتواصلة ,  من جراء استدعائه اليومي لمقر شعبة  حزب البعث ,  ومارسوا معه شتى ألوان القهر والإذلال , وعند رحيله إلى جوار ربه . فان عائلته المنكوبة  , وفي ليلة دامسة الظلام ومشحونة بالكآبة والعذاب والترقب ,  تم تسفيرهم ظلما وعدوانا ,  علما بأنهم يمتلكون تاريخا ومكوثا في المدينة , ومستمسكات عراقية ثبوتية  أكثر مما يمتلك المجرمون الذين أمعنوا بقتل أولادهم وتسفيرهم إلى إيران , ومصادرة كل ما يملكون حتى بيتهم وأثاثهم وكل ما يدخرون  ,  فأي ظلم وإجحاف يوازي هذا الظلم يا ترى ..!؟

إن هذه المأساة شرحها قد يطول , إذ عندما هجروا وسفروا , عاشوا في إيران ظروفا صعبة وقاسية ومدمرة  , وان الذي كان يخفف من معاناتهم ,  هو إيمانهم بالله ,  وقناعتهم التامة  . بان الله سبحان وتعالى لا بد أن يغير الأحوال من حال إلى حال , وهذا ما حدث , إذ انقشع عن عراقنا الجريح أسوء وأتعس نظام دكتاتوري  , عشائري همجي ,  ألا وهو نظام  المجرم المقبور الطاغية صدام حسين .

 فتنفس الجميع أنفاس الغبطة والفرح والسرور ,  وعاد المغتربون والمهجرون ,  إلى وطنهم و ديارهم ,  فلم يجدوا دارا ,  ولم يحرزوا مكسبا , ولن يعوضوا بشروى نقير ,  ولم ولن يوظف أبنائهم ,  ولم تمنح لهم حقوقهم ,  فمنذ عودتهم ولحد ألان ,  يعيشون في خربة مستأجرة يعوزها حتى الافرشة التي يجلسون وينامون عليها ,  وهم  يفترشون أسمالا .. ويعانون وبمرارة ,  حتى من دفع الإيجار .

 أتساءل بربكم عليكم  , هل من المعقول أن مثل هذه العائلة ,  التي قدمت شهيدين وتسببا بموت والدهما ثم تسفر عائلتهم وعانوا ماعانوا من التسفير,  وعند عودتهم إلى عراقنا الجديد لن يكافأوا أو يعوضوا بشي انه لا عجب العجاب ..!؟ أن يكافأ القتلة ويحرم الضحايا.. ؟! هل من المعقول والمقبول أن ينغمس أهل الشهداء والمعذبين في البؤس والعذاب والحرمان , والذين ارتكبوا الجرائم ينعمون في الخيرات والامتيازات .. ! ؟ أي ضمير يرتضي ,  أن عائلة شهيدين لم يلتفت لهم  , أي احد من أركان النظام الجديد .. ؟!؟ إن هذه الظاهرة تثير تساؤلات مشروعة واستفسارات حقيقية , هل أن الشهداء استشهدوا من اجل أن يتربع المنعمون على كراسي الحكم يحكمون ويتحكمون ويحققون رغباتهم وطموحاتهم والشهداء وعوائلهم يظلون أسرى في قبو النسيان والإهمال .. ! ؟؟  خافوا الله واخشوا عقوبته وحرام حرام عليكم تجاهل هذه العوائل المنكوبة ,  التي فقدت أعزتها وفقدت كل ما عندها ,  وانتم ياسادة تتفرجون رغم الصيحات والاستغاثات ,  ورغم أكداس من العرائض والتوسلات فما معنى ذلك .. ! ؟  إن من الملفت للنظر والمثير للاستغراب  , أن المسؤولين الكرام يوزعون الهدايا والعطايا على بعض الممثلين والممثلات ,  والمغنيين والمغنيات  , والطبالين والطبالات ,  والدائحين والدائحات ,  وبائعي الكلمات ,  وحاملي أطباق التزلف والنفاق عبر المراحل . والمجاهدين الحقيقيين ,  والمضحين الاصلاء ,  والوطنيين الشرفاء , والشهداء الأبرار ,  لم يقبضوا سوى الريح ,  ولم يجنوا سوى العهود ,  ولن يكسبوا سوى الوعود , أهذا هو الإنصاف ..!؟  أمن اجل هذا منحناكم أصواتنا , وبوأناكم على مقاعدكم ,  التي خلقت منكم أرقاما عاليا , في الجاه والوجاهة والثراء والتبطر ,  ماذا كنتم سابقا ..؟؟  هل نسيتم ماعانيتم ..؟  فلماذا تنسون وتتناسون الذين عاضدوكم وآزروكم ودعموكم وقدموا أرواحهم من اجل أن تعيشون وتتحكمون .. ! ؟  ألا من إفاقة واستفاقة ..؟  ألا من انتباه إلى هذه العائلة التي استغاثت وتستغيث بكم ,  ولكن لا أذن سمعت ولا يد أعطت ,  فهل هذا هو الحق يامن تتمشدقون بالحرص على المواطن وتحقيق رغباته وطلباته المنشودة  ..؟ وخاصة الشهداء المخلدون ,  أنظل نستمع إلى طواحين الهواء وجعجعة بلا طحن .  

وان لسان حال المنكوبين والمقهورين والمتعبين , والذين لن يقدم لهم شيئا من خزينة الدولة المهدورة من قبل الافاكين والمزورين والمتلاعبين بالمال العام . أعود فأقول أن لسان حال الفقراء يردد :

وصبرا ثم تنكشف البلايا   

                      ويفتح  للمصابر ألف باب

 

      وان  حالتهم الدامية تؤكد الالتزام بالصبر , والصبر مفتاح الفرج كما يقال ,  فلنصبر وننتظر ,

إن عائلة  الشهيدين صباح ونجاح سامي سعود  قد شاهدها  وسمعها ,  كل أبناء العراق  , عندما أعددت تحقيقا عن العائلة المنكوبة ,  و عرض حالها وظروفها وتعاستها ,  عبر بعض  الفضائيات ,  فغرقت العائلة في بحيرة التفاؤل والأمل ,  والبهجة والأفراح , عندما بلغت العائلة ,  عبر نشرة الأخبار بما نصه ( استجابة للتحقيق الذي عرضته الفرات ,  مؤسسة الشهداء تأمر بصرف مستحقات أسرة الشهيد سامي  سعود عزيز )  وان هذه الفرحة المنتظرة والمرتقبة سرعان ماتلاشت كما يتلاشى الحلم عند الصباح , وعندما راجعت العائلة الدوائر المعنية , الملتزمة بحقوق الشهداء,  حولوها إلى كرة تداولها الأيدي,  فكل دائرة تحيلها إلى دائرة أخرى,  وتلقي اللوم عليها , والعائلة الصابرة المحتسبة ,  قد داخت واثولت من المراجعات والاتصالات ولكن بدون جدوى , وقد تكبدت الكثير من النفقات ,  والخسائر والمعاناة , التي أثقلت كاهلها المتعب بالديون المتراكمة ,  على أمل أن تسدد من حقوق الشهداء ,  ولكن نتيجة المراجعات هواء في شبك ,  ولحد هذه اللحظة أنياب ومخالب المأساة والمتابعات المرة المريرة قد مزقت بقايا الجسم والقلب والروح .  فلمن المشتكى ؟  ولمن نلتجئ لإسعاف واقعنا المأزوم والكارثي ؟  فما العمل .. ؟  أنشتكي عند مجلس الأمن ..؟  أم نشتكي عند هيئة الأمم المتحدة ..؟  أم نشتكي عند المؤسسة الدولية لحقوق الإنسان ..؟  وأخيرا إلى الله المشتكى وهو المستعان .

إن عائلة الشهيدين ما تزال مشدودة للأمل  ,  وهي  متشبثة بعروة الصبر ,  ولكن إلى متى تظل مغلغة بهذا الأمل الذي لحد ألان لم تحصد منه سوى الوجع والهلع واليأس والقنوط .  وان ما كومته الأيام على هذه العائلة ,  إبان حكم المجرم  صدام ,  أمر طبيعي واعتيادي ,  لان صدام قد وزع ديمقراطية الموت , والدمار بالتساوي ,  وان اقرب المقربين لصدام لن يكونوا في منأى ومنجاة من لعبة الموت ,  ولكن الذي يفت القلب ويمزق النفس .

 أن هذا العطاء العظيم والتضحيات الفذة التي قدمتها هذه العائلة ,  لم تقابل بالإحسان والامتنان ,  من حكومتنا المنتخبة ,  والتي علق عليها الشعب الآمال والأحلام ,  ولكن بدون جدوى .. !  فان هذه العائلة المهمومة المهملة ,  قد قدمت الكثير الكثير من الشكاوى والالتماسات ,  عبر الفضائيات والصحف  والوسائل الأخرى ,  ولكن وأقولها بمرارة تفري الكبد , لم تمتد لها يد التأسي والإنقاذ , وهذا أمر يثير الامتعاض والتذمر والأسى والبكاء والألم والمرارة ,  فهل أن حكومتنا نائمة عن هذه المأساة ,  التي هي واحدة من ماسي ومخازي صدام المقبور.

 وهل أن شهوة الحكم , أنست المسؤوليتين المجازر التي اقترفها صدام وحزبه ,  بحق الشرفاء والاصلاء,  فيا حكومتنا انتم مدينون إلى كل قطرة من دماء الشهداء ,  انتم مدينون لكل سجين ,  ولكل شريف  , ولكل مفقود ,  لأنهم وهبوا حياتهم من اجل وطنهم وشعبهم ومن أجلكم ,  وأنكم ألان قد تغافلتم عن بعض العوائل المستحقة لمساعدتكم واحتضانكم المنشود والمطلوب , أهذا هو الحق .. ؟  أهذا هو الإنصاف ..؟ أفيقوا من غفوتكم ونسيانكم للمفجوعين والمعذبين , والذين هم ألان ينظرون ,  لكم وينتظرون منكم التعويض .

فمازالت أم الشهيدين تئن  تحت وطأة الصبر والانتظار,  فقد خسرت كل شيء ,  أولادها  ورواتبهم ,  وبيتها وأثاثها ,  فهل من التفاتة لهذه العائلة التي تحملت , أقسى وأفظع ما يتحمله الإنسان  , التفتوا لهذه الظاهرة المفجعة ,  ومدوا يد الإحسان والإكرام ,  لكل من دفع كل شيء ,  ولن يحصد شيئا .  

إن حالة هذه العائلة المحطمة والمعروفة في المدينة بعوزها وحرمانها ومعاناتها ,  قد دفعت احد المحسنين وهو السيد الدكتور عون حسين الخشلوك رئيس مجلس إدارة قناة البغدادية  , إلى منحهم مبلغ متواضع ومتواضع وقدره خمسون ألف دينارا كراتب شهري , كشأن العوائل التي تتقاضى مساعدات من السيد عون الخشلوك وهو مشكور على ذلك , غير  أن المبلغ المخصص من قبله  قد قطع عنهم منذ أربعة أشهر , وهم بأمس الحاجة إليه , لأنهم يفترشون بساط الفقر والعوز والحرمان ,  وان الدكتور  أدرى بهم من غيره ,  وإنهم أحق من غيرهم بالعطاء , لان حالتهم مكشوفة ومعروفة ولا تحتاج إلى تساؤل .

 وان هذه العائلة المضحية ,  والذي يعرفها أبناء المدينة ,  يتساءلون ويتسال معم الآخرون و باستغراب لماذا قطع هذا الراتب .. ؟  فهل من المعقول والمقبول أن الدكتور عون  أمر بإيقاف هذا الراتب المتواضع  !! وهو المعروف بإحسانه للمحتاجين والفقراء ,فهذا افتراض لا يحمل أي تكهن فالشخص اكبر وأعلى من يقدم على مثل هذا القرار والعائلة مهمومة مغمومة مظلومة , لم ولن يلتفت لها لا  المسؤولون ولا المعنيون ,  وحتى أهل الخير قد أوقفوا خيرهم عنهم فيا للبؤس وياللالم ..!! وإننا بانتظار تحقيق حقوقهم المستحقة ,  وبالسرعة المطلوبة ,  والتي تحفظ ماء وجههم ,  وتضمن مستقبل حياتهم ,  فقد بلغ السيل الزبى وتجاوز حده ,  وان مذخر التعليق والتعقيب والمتابعة ,  يدخر الكثير الكثير من التعليقات والتعقيبات ,  التي لا بد وان تعيد الحق إلى نصابه ,  وتزرع الابتسامات على شفاه المقهورين والمفجوعين , وان كان مقالي بعنوان :

(  أعريكم كما يعرى الموتى عند الغسيل )  فسيكون الأتي أكثر وجعا واشد إيلاما !!  فالجرح لا يعطي غير الأنين !  والصرخة تكون بقدر الطعنة !   وإننا تحت  سقف الانتظار ,   يا أيها الأوصياء على حقوق الآخرين , ومن يعمل ما لا ينبغي ,  يسمع ما لا يشتهي , وان ما طرحته وبكل صدق نابع من إيماني العميق بان الله جلت قدرته ينقذ ويحفظ كل إنسان ملتزم بالصدق والنقاء ونصرة الفقراء .

Majid_alkabi@yahoo.com