بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية

 

الحزب الشيوعي العراقي
مركز الإتصالات الإعلامية ( ماتع )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
                   

العجز في موازنة 2010 ليس حسابيا.. انه عجز حقيقي !

 

د. صالح ياسر*

نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الشيخ خالد العطية، نائب رئيس البرلمان      العراقي، قوله وهو يتحدث عن العجز في موازنة 2010 انه "يبقى عجزا حسابيا ستغطيه المبالغ المدورة من موازنة العام الماضي والإقراض من البنك الدولي وسندات الخزينة والارتفاع في أسعار النفط".

لا نختلف مع الشيخ العطية في حجم العجز ولكننا نختلف معه في تشخيص طبيعة هذا العجز الذي نعتقد انه عجز حقيقي وليس حسابيا وسندلل على ذلك بتحليل مصادر تمويله.

ومن المفيد قبل ذلك الإشارة الى أن حجم هذا العجز يبلغ اقل من 20 مليار دولار بقليل. في تقارير وتصريحات حكومية سابقة جرت الإشارة فعلا الى وجود هذا العجز ومصادر تمويله. فبحسب الناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ – سيتم تمويل العجز المذكور عبر "الاقتراض من صندوق النقد والبنك الدولي، مع المضي في ضغط الإنفاق وترشيده". وحسب ما متوفر من معلومات فإن صندوق النقد الدولي يمكنه أن يوفر 7 مليارات دولار وهناك قرض ياباني يبلغ 4 مليارات دولار، و1.8 مليار دولار من حقوق السحب الخاص. أي أن مجموع القروض التي ستمول هذا العجز تأتي من مصادر أجنبية يبلغ 12.8 مليار دولار. وبما أن حجم العجز في الموازنة لعام 2010 يبلغ اقل بقليل من 20 مليار دولار فان تمويل هذا العجز، من مصادر خارجية، يشكل حوالي (65%)، أي حوالي ثلثي إجمالي العجز.

والاستنتاج المستخلص من هذه الأرقام بسيط واضح:

إن ثلثي مصادر تمويل العجز هي مصادر خارجية معروفة بالصرامة والتشدد في مطالبها. فهي لا تقرض أموالها إلا حسب وصفة معينة يفرضها أصحابها. وتكمن الخطورة في هذا النهج، أنه يساهم في تكريس تبعية واعتماد الاقتصاد العراقي على الخارج، وتحديد أو تقليص سيطرة الحكومة العراقية، على اتجاهات إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي.

ومما يدلل على عدم دقة الاستنتاج بأن "العجز حسابي" هو أن الخيار الآخر الذي تراهن عليه الحكومة لتمويل العجز يتمثل في المضي بـ "ضغط الإنفاق وترشيده". فلو كان العجز حسابيا وليس حقيقيا لما لجأت الحكومة الى هذا الخيار "المرّ" المتمثل في "ضغط الإنفاق وترشيده". وهذا الخيار لا يمثل حلا تقنيا بل هو في جوهره حل ذو طبيعة سياسية وستتضرر منه بالدرجة الأولى الفئات الكادحة، ويأتي لخلق الأرضية للقبول بقرض صندوق النقد الدولي الذي لا يقدم قروضه إلا ضمن شروط من بينها بل وأهمها "ضغط الإنفاق وترشيده". ولعل أولى "بشائر" هذا الترشيد للإنفاق هو ما طال البطاقة التموينية حيث انخفضت المبالغ المخصصة لتمويلها من 4200 مليار دينار في عام 2009 الى 3500 مليار دينار (2991.4 مليار دولار) في عام 2010 وبنسبة انخفاض قدرها 16.6%.

وإذا ذهبنا في لعبة الأرقام المغرية الى نهايتها أمكننا أن نضيف أن نسبة العجز تشكل حوالي 29% من إجمالي النفقات وحوالي 41% من إجمالي الإيرادات لعام 2010. ونسبة العجز الخطيرة في الموازنة الجديدة ستولد ضغوطا تضخمية ستكون لها آثار اقتصادية واجتماعية سلبية، من بينها بل وأهمها هو إعادة توزيع الدخل القومي بطريقة عشوائية لصالح الأغنياء ضد ذوي الدخول المحدودة نظرا لتدهور دخولهم الحقيقية نتيجة الارتفاع المستمر في مستويات الأسعار.

كما ان من بين مصادر تمويل العجز التي يجري الرهان عليها هو "الارتفاع في أسعار النفط الخام" وهو رهان على عوامل خارجية ليست مؤكدة، فأسعار النفط الخام على الصعيد العالمي تتعرض للتذبذب صعودا وهبوطا. وللتدليل على ذلك فان موازنة 2009 راهنت لسد الجزء الأكبر من العجز في ذلك العام على زيادة أسعار النفط الخام ولكن رهاناتها هذه لم تتحقق مما اضطرها الى تخفيض تقديرات الموازنة لثلاث مرات في ظل تراجع أسعار النفط الناجم عن الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها المعروفة.

كشفت تجارب عديدة في بلدان أخرى عن مخاطر الرهانات على عوامل خارجية ومن بينها الانصياع الى وصفات المؤسسات المالية والنقدية الدولية. ومن هنا لا بد من إدخال الاعتبارات الاجتماعية والمصالح الاقتصادية الوطنية في الاعتبار عند رسم مسارات السياسة الاقتصادية والسير على طريق التنمية والارتقاء بمستوى معيشة المواطنين في إطار الكفاءة والعدالة الاجتماعية.

ملخص القول ان اتجاه العجز في الموازنات السنوية وتفاقمه يعكس اختلالا هيكليا وليس شكليا. ولهذا يمكن القول أن العجز في موازنة 2010 ليس عجزا حسابيا بل هو عجز بنيوي. ولا يمكن معالجة هذا النوع من العجز إلا من خلال مقاربة أخرى وهي مقاربة مفقودة في موازنة 2010.

إن المقاربة الأخرى التي ينبغي تدشين نقاش مجتمعي بصددها هي التي تنطلق من إعادة النظر في نمط الأولويات المعتمدة من طرف الحكومات المتعاقبة. وهذا لا يتطلب حلولا ترقيعية بل رؤية اجتماعية سياسية تختلف عن تلك الرؤية التي حكمت نمط توزيع الأولويات للإنفاق الحالي، رؤية تنحاز للعقلانية الاقتصادية، والتنمية، وللعدالة الاجتماعية. وهذه، في الواقع العملي، قضية كثيرا ما أهملت عند صياغة الموازنات السنوية ووسائل تمويل العجز الحاصل فيها.

ليس الأمر مجرد لعبة أرقام... بل إنه يتعلق بالرهانات الكبرى للمجتمع والرؤية الواضحة في تحقيقها. نحتاج هنا، في الواقع، الى تعريف دقيق للعجز وليس اللجوء الى لعبة الأرقام التي هي إحدى وسائل التعتيم على واقع يتمرد على صانعيه".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي