بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية

 


المندائيون ..غربة في الوطن‎
حسين طعمة

في عالمنا ألغرائبي الجديد ,الندبة السوداء في جبين التأريخ .تنسفح الدماء في شوارع المدن
,وتصير ساحاتها حمامات لدم يراق كل حين .تنحسر عن أفاق الوطن أقماره ونوره ويصير هواؤه سما زعافا يظهر بين الفينة والفينة من كهوف الظلام وأقبية الموت و.أفاقون يحملون حرابا وخناجر يغرزونها في خاصرة الوطن .من ثم يهللون ويكبرون رافعين راياتهم المخضبة بدماء الأبرياء .علامة لنصرهم .حين تتقيح الضمائر ,يمسخ الإنسان غولا .وتظهر نوازعه المدمرة ويغرس أنيابا يقطر منها الدم في قلوب الآخرين .عبر تأريخ مدننا الثكلى بالتوجع ,وقبل الهجرات العديدة من كل أصقاع الأرض ,كان هنالك من عاش طويلا على هذه الأرض .تمتد جذورهم عبر أزمنة سحيقة .كان المندايون هنا ...بقلوبهم الناصعة البياض مثل لباسهم يحنو الفرات عليهم ويغمرهم بالنور والمحبة والطهر .المندائيون ملح هذه الأرض وزهرة حدائقها .عرفوا التوحيد قبل ان تعرفه البشرية .فتحوا قلوبهم النقية لكل الذين ضاقت بهم السبل ,والذين هاموا في الأرض يبحثون عن ارض خصب وحياة يسيرة .فجمعتهم بالآخرين قلوب مليئة بالمحبة والوئام .لم يشعلوا حربا أو يسفكوا دما .ومن فرط هذا النقاء كانوا ضحية لبربرية الإنسان ووحشيته .فكان صبرهم أسطوريا تحملوا فيه الكثير من الماسي والمحن ولم تسلم عقائدهم من التشويه والتحريف .فألقى كثير من المتعصبين التهم جزافا على ديانتهم التوحيدية وطقوسهم بأساليب عنصرية مقيتة ...في بدايات المعرفة .أول عهدنا بالدراسة الابتدائية كان معلم الدين يغمر قلوبنا بألق أنساني فريد ,ونورا يسطع في حياتنا القادمة (( لكم أخوة معكم ألان من المندائيين في الصف يتوجب على الجميع أن يكونوا جنبا إلى جنب .لا يفرقنا اختلافنا في الدين .فكلنا أبناء هذا الوطن ))هذا ما علق في ذاكرة الصبية ذلك الحين ((ولتتذكروا يا أولاد إن ابناء الوطن الواحد ,لهم أديان عديدة مثلما يختلفون بالقومية واللون والأفكار .لكنهم جميعا يجتمعون إخوة تحت علم الوطن )) هذا ما تعلمتاه صغارا ,من منطق السمو الإنساني والرقي الحضاري .تلك بذرة صغيرة زرعها معلم الصف الأول في وعينا الصغير .لتكبر وتنمو لتصبح شجرة كبيرة للسلام .بعيدا عن كل ما يسوء الإنسان وينال من شأنه وقيمته .من بغض وكراهية .

فلنقرع الأجراس الآن .أجراس السلام بين أبناء الوطن الواحد .ولتنطلق حناجر وأقلام ترد الاعتبار لإنسانية الإنسان المهدورة .وكذلك لقيمه وأخلاقه وأديانه ,تلك التي تنشد السلام بين البشر وتغمرهم بالطمأنينة والمحبة .لا فرقة ولا سفك دماء وحينما يصطف الجميع ,وخاصة من له الدور المؤثر في الناس ,مع أبناء الأقليات الدينية ,سنكون حتما من أحباء الله .ومخلصون صادقون للوطن . ان الذين يشيعون الهلع والخوف بين الناس لم يغمرهم الإيمان وهم يريدون أن يكونوا بديلا عن خالقهم في شرائع غريبة وبعيدة عن شرائع الأديان كافة .شرائع تمتهن فيها كرامة الإنسان ووجوده ,حين لا تسلم منها حتى ابناء دينهم الواحد بمذاهبه العديدة .

لقد سنت قوانين عديدة في الدساتير العراقية تجلت نصوصها على احترام الأديان كافة ولكننا نريد أن تحكمنا إنسانيتنا قبل أن تحكمنا الدساتير والقوانين .إننا نقف الآن في مفترق طرق وهو اختبار حقيقي لهويتنا الانسانية ونختار بين أن نكون أو لا نكون