بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية

 


                                      الجذور
تقي الوزان


الرصيف ضيق بسبب تجاوز أصحاب المتاجر عليه , سبقتنا أنا وحسن , زوجتي وشقيقتها ( أم حسن ) , المعارض تتبارى في إنارتها , نظافتها , طريقة عرضها , روائح البهارات , المشويات , والحلويات تتماوج في استفزازها للحواس . توقفت زوجتي فجأة تؤشر لأختها على امرأة تقف أمام معرض حلويات " بقلاوة النجف " الذي كنا نقصده لشراء علبتي بقلاوة . ربما تجاوزت الأربعين ولكنها جميلة جدا , تقف تحت ( لوكس ) زاد من وضاءتها , وترتدي جادر إيراني مورّد, التفتت عندما توقفن وحدقن بها .

زوجتي : منى ؟! ما معقولة !

لم أتبين ما قالته , ولكنهن تشابكن بالأحضان والقبل , تقربنا منهن , ولكنهن كنا منشغلات عنا بالكامل .

نبهت حسن الذي انشغل بالتحديق بها : حسن مو راح تاكلهه , باوع بس بالراحة .

حسن : خالة منى شكد حلوة . هسه آني زغير مو انت بالخمسين ؟!

علاقتي بحسن الذي تجاوز الخامسة عشر علاقة صداقة , وادفعه دائما للتعبير عن نفسه بصراحة ووضوح .

أجبته : بابه آني أتفرج على الجادر مالهه , شوفه شكَد حلو كله ورد . لم تكن تلبس عباءة بل جادر ايراني .


عندما كنت نصيرا في كردستان , كمنت مع رفيق آخر تحت شجرة بلوط كبيرة قريبة من الجامع على الطريق الوحيد الذي يربط قرية " احمد برنو " بالشارع العام الذي ينزل من السليمانية الى دربندي خان , والقرية تستند من الجهة الثانية الى قطع جبل عال . قاربت الساعة السادسة فجرا وهو موعد نهوض الأنصار واغلبهم نام في الجامع , قدمت فتاة لتملئ آنيتها بالماء من الأنبوب الذي يصب في حوض على طرف الجامع , انحنت الفتاة بجسمها الريفي الرشيق وثوبها الزاهي الطويل على الأنبوب وهي تمسك بآنيتها , صاحبي استغرق بالنظر إليها , وعندما وجدني ( ضبطته ) متلبسا , قال لي وتفكيره لا يزال مع الفتاة : قيس لحيته طويلة .

والنصير قيس خريج آداب فلسفة , ومنذ أن رأيناه أول مرّة عندما التحق إلى الأنصار وهو بهذه اللحية , وكان قادما من داخل الجامع . بعدها كلما أردنا ملاطفة الرفيق , لا نقول أكثر من : قيس لحيته طويلة .

حسن أجابني وهو يضحك : خوش عليك جادر . ولحد الآن كلما نظرنا الى واحدة جميلة يقول : شلون جادر عليها , حتى لو لابسه مايو ه .


سألت البائع بعد ان طلبت منه تجهيز ثلاثة علب بقلاوة : آني اعرف النجف مشهورة بالدهينة وحلاوة الجزر , مو بالبقلاوة ؟ !

ابتسم البائع وقدم لي واحدة : والله لازم اتظوكهه , وإذا ما طلعت أحلى من طرشي النجف لا تدفع ولا فلس .

أجبته : أكيد أحلى , لان الطرشي حامض .

ضحك البائع : لا والله مو هذا قصدي , لكن النجف معروفة بالطرشي .

قلت : حجي فاضل الشكرجي الله يرحمه فتح محل حلويات مقابل باب الدروازة بالكاظم , كل واحد ياكل بقلاواية وحدة يقر ألفاتحه مرتين , وحده لابو الجوادين , والثانية لامه على هيج بقلاوة .

منى سالت زوجتي التي عرفتها علي : لازم من أهل الكاظم ؟!

زوجتي : لا , لكن عايش فترة طويلة بالكاظمية . وأكملت لي : منى من الكاظمية .

منى : ما تتذكر مطعم كباب الجوادين ؟ وأكملت لتساعدني على التذكر : بصف مدخل سوكَ الاستربادي .

أجبتها , وأنا غير متأكد : قصدج مطعم أبو صلاح ؟

منى بفرح : أي هو أبويه أبو صلاح .


مطعم الجوادين من المطاعم الشعبية المعروفة في الكاظمية , وأبو صلاح ( عبد ألائمة ) متوسط العمر , ضخم , وجه باسم , ويعتمر ( جراوية ) دائما , وهو اشهر كببجي في المنطقة . عرفت من احد الرفاق في الكاظمية ان أبو صلاح كان من مجموعة الشهيد سعيد متروك الذين قاوموا انقلاب البعثيين في شباط عام 1963 من الصحن الكاظمي , وقد تمكن من الهروب والاختفاء طيلة الفترة الأولى لحكمهم . وفي عودتهم الثانية للحكم , لم ينسوا موقف ابو صلاح منهم , وسفروه مع أول وجبة تسفيرات إلى إيران .

زوجتي : أبو صلاح الله يرحمه أتسفر ويانه عام 1971 , وبالتسفير أتعرفنه عليه وعلى عائلته .

اجبتها : إلى رحمة الله , شوكت أتوفه ؟

زوجتي : قبل ست سنوات , كان يعمل في المطعم وفجأة سقط , وقبل أن يوصلوه إلى المستشفى وافاه الأجل .

ناولت زوجتي إحدى العلب الثلاث , وفهمت انها لصديقتهم بعد ان رأت العلبتان الباقيتان , في نفس الوقت أصرت منى على أن نذهب معها إلى بيتهم . أردنا أن نذهب في السيارة إلا انها قالت : تبقه السيارة هنا أحسن , هذا البيت قريب . وأشرت بيدها .


في البيت , تعانقت أمها بحرارة مع زوجتي وأختها وهن يتحدثن بسرعة وفي آن واحد . تعرفت على زوج منى وابنها الكبير الذي يبدو قد تجاوز العشرين من عمره . زوجتي أعطت الهدية لمنى التي رفضتها بشدة وقالت : انتوا متسوكين الكم . أقسمت بان العلبة لها , وفتحت الكيس لها لترى العلبتين اللتين لنا .

قال حسن بالفارسي الذي لا افهم اغلبه : خاله , بخاطره جادرت كَول كَولي . وغرق الجميع في الضحك , ويقصد : خاله لخاطر جادرج المورد . وفهم الجميع ان حسن يلاطف جمالها وهي بعمر أمه , ولم ينتبه احد لاندفاع الدم إلى راسي واحمرار وجهي , وحسن لم يجرؤ بالالتفات إلي على أمل أن لا افهم ما قال .


بعد قليل استأذن زوجها وخرج , أم صلاح رغم تقدمها في العمر الا انها لا تزال تحمل مسحة جمال تعلن بقوة عن نفسها , علقت وأنا انظر إليها : ما شاء الله فعلا فرخ البط عوام . ضحكت ويبدوا انها متعودة على اطراء جمالها .

سألتها : أم صلاح يرحم اهلج , ما تفهميني أبو صلاح الله يرحمه شلون كَدر أيخلص والصحن مطوق من الحرس القومي وشرطة الأمن ؟!

زوجتي : خاله أم صلاح , يسال لان هو شيوعي .

ام صلاح : أمبين , هو من يسال عن المرحوم غير ربعه . إحنا ما جنه متزوجين , وهو يكبرني بعشرين سنة , الشي اللي سمعته منه , أبو صلاح ما جان وياهم بالمقاومة , ابو صلاح بعمره ما ضارب طلقة وحدة , لكن هو مرتين اخذ لهم أكل . يروح لمحلة الدبخانه , ومن سطح بيت صديقه حجي فاضل أبو محمد جد سرمد ( وأشرت على ابن منى ) يعبر للصحن , باليوم الثاني من رجع عثر بأول درجه من الدرج , ما شاف نفسه إلا بالكَاع متمدد , انكسرت رجله , وأكثر من شهرين هو أبيت حجي فاضل الله يرحمه .

سألتها : وبعد الشهرين وين راح ؟!

أم صلاح : كل الشيوعيين أخذوهم , والمطاردة خفت , حجي فاضل وصله بسيارته لبيت أخته بالكوت , اشتغل هناك إلى ثورة عبد السلام عليهم .

عاد أبو سرمد بصينية كبيرة من الكباب , واقسم على أن لا نخرج , وسال : كيف تخرجون بدون عشاء ؟!

أم صلاح : انتوا نزلتوا علينه اليوم من ألسمه , احنه وأهل زوجتك بيت واحد , أخاف ما تدري , تسفرنا سوه , وانتقلنا للأهواز سوه . وبعد ما تسفروا بيت محمد عام 1980 , اخو محمد محمود خطب زوجتك , زوجتك رفضته لان منى خبرتها : بان هذا فد واحد بعثي حقير .

أردت أن اشكر منى التي لم تكن موجودة , فوجهة كلامي لزوجها محمد : أبو سرمد , ولو محمود أخوك , اشكر لي منى على هذه الالتفاته .

لكزتني زوجتي , وأخبرتني بهدوء وسط تظاهر الآخرين بعدم الانتباه : الجالس أمامي ليس الشهيد أبو سرمد , زوجها الثاني واسمه عامر .

تلعثمت, وأردت الاعتذار : أخ عامر .

قاطعني : ولا يهمك , فعلا سرمد ابني , والله عوضني بيه عن عائلتي .


في طريق عودتنا من " دولة آباد " وهي احد ضواحي جنوب طهران , واغلب قاطنيها من العراقيين المهجرين , أخبرتني زوجتي : ان منى لم تأت مع أهلها عندما سفروا , وبقت مع زوجها المدرس محمد , ولم يرزقا بغير ابنهم سرمد. كانا يسكنان في بيت أهله , وعنده ثلاثة أخوة يعملون جميعهم في التدريس .

عامر زوجها الحالي شيوعي من مدينة الثورة يعمل دلال عقارات في " دولة آباد ", طلع هو وزوجته الحامل أثناء الحرب على طريق بنجوين , وعلى الحدود انفجر لغم عليهم , زوجته ماتت وهو فقد مشط قدمه وهذا سبب العرج عنده.

عادت منى وأخبرته : ان احد الزبائن ينتظره في الباب. اعتذر وذهب .


زوجتي : ام سرمد زوجي يريد يشكرج لان منعتيني من القبول بمحمود عم سرمد .

منى تبتسم , وبألم : هذا الوحيد من أخوته بعثي , أبو سرمد شيوعي , اعتقلوه وآني ما اعرف سبب اعتقاله . محمود خبرني لان أهلي مسفرين والحكومة تريده يطلكَني .

سألته : ليش يسجنوه ؟! يأخذوني إلي ويسفروني .

محمود : بالقانون لازم تطلكَون حتى يسفروج . محمد شيوعي وما يكَدر يحميج , لكن آني بعثي واكَدر أخليهم ما يسفروج .


في السيارة أخبرتني زوجتي بأن منى وجدته عدة مرات ينظر إليها برغبة , ويسمعها بعض الكلمات التي تتحمل أكثر من معنى . . منعت نفسها من أن تتعمق في تفسير سلوكيته , تعوذت بالله ولعنت إبليس الذي يستغل ضعفها ويوهمها بهذه الخيالات , صحيح محمود تافه , ولكنه اخو زوجها وهي عرضه .


تقول منى : بعدها اخذ يدخل ويخرج يسب بالإيرانيين الفرس المجوس , حتى كَوكَوش المغنية ما خلصت منه .

ويكرر باستمرار: لوما أنت ما صارت ألنه أي مشكلة .

توسلت به أنا وأمه عدة مرات : انت بعثي وتكَدر تعرف وين صار أخوك ؟

محمود : ممنوع واحد يسأل حتى إذا بعثي , تعليمات من الحزب أي واحد يسأل عن شيوعي موقوف بالأمن , هو يتوقف وما يعرف مصيره بعد . هذا للي يسأل عنه , هو شراح يصير بيه ؟! ما اعرف . ويجعلنا لا ننام الليل .


تقول زوجتي : في إحدى هذه الانهيارات لزمت يده لتقبلها كي يسأل عن محمد . حظنها , ورفع وجهها , وأطبق على شفتيها يقبلها , صرخت , دفعته في صدره وهربت إلى غرفتها . دخلت عليها أم محمد تسألها بقلق : ما بها ؟

أجابتها وهي ترتجف : ما اعرف , آني خايفه عمه .

بعد يومين طلب منها ان تطلق محمد ويتزوجها , هددته بأنها ستخبر أمه .

أجابها : إذا انت مره خبريها , انت وابنج أذبكم بالسجن .


تقول منى بمرارة : بعد ثلاثة اشهر أطلق سراح محمد , عرفت منه إنهم اعتقلوه لكونه شيوعي , ويريدون منه أن يعطي براءة من الحزب الشيوعي ويسجل بعثي , ولم يسألوه عن أهلي كونهم مسفرين , هددوه بأنهم سيعتقلونني ويعتدون علي إن لم يوقع .

وتكمل منى : انت شيوعي وتعرف تقّدر وضعية الواحد اليأخذون منه تعهد بالقوة شلون ينكسر , كان محمد متعبا , وآثار التعذيب لا تزال عليه . شقيقاه الآخران سجلا بعثيين , هو نقلوه من التدريس إلى موظف في القائمقامية , يجي للبيت بعد ما يطلع . ايكّول : بيا وجه اشوف الناس ؟!

انعزل , أمه وأخوته يلحون عليه يوميا : سجل بعثي حتى نخلص منهم , كلنه بسببك راح نتورط .

لم تكن عندنا الإمكانية لنخرج وحدنا في بيت خاص . صار مجبور سجل بعثي . بنفس الوقت اشتعلت الحرب , ويومية هذا محمود طاب طالع يسب بالخميني , حسبا لك الخميني أبويه . قصيدة تسب بالخميني ما أتذكر اسمها , بيها دجاج العرب ما غزر , علبته معتوره تعتور , سجلها من الإذاعة ويومية يعيده مية مرّة , والله العظيم بسببه صرت أحب الخميني . يصبح يسب بالفرس المجوس عبدة النار , ويمسّي : لو ما أبو عدي الله يحفظه ويطول عمره جان البوابة الشرقية انتهت , شنو البوابة الشرقية ما اعرف .

سالت محمد : البوابة الشرقية يقصد باب الدروازة ؟

ضحك محمد واشر أن اخفض صوتي : يقصد العراق البوابة الشرقية للوطن العربي .

أجبته : من عاب هيج مثل طايح حظه .

والله حول حيا تنه إلى جحيم , صدام والحكومة بجفه ومحمود وحده بجفه , والأضبط محمد وأهله مثلنه فيلية , محمود ما اعرف شلون سجلهم بالبطاقة الشخصية قيسية . محمد وأخوته يعرفون كل الحجي موجه إلي , لكن يخافون يحجون وياه .


كل شي لعيون أبو سرمد يهون , أكملت منى بمرارة : المهم اخذوا محمد جيش شعبي , وبأول اجازه , عنده صديق سلمه رسالة من أهلي , وصلته من أخوه الموجود بألمانية , محمد هواية فرح بيهه , قراها وكل أهله موجودين , مابيه شي سلام وتحيات ودعاء . ثاني يوم الشعبة الحزبية طلبت منه ان يحضر , والروحة روحه , بعد جم يوم اخذوا أخوته حجزوهم . آني وسرمد وأمه وأخته حجز ونه يومين , بعدها جابوا محمود ويانه وحطونه بسيارة حمل ويه آخرين وذبونه على الحدود . والله اليعرف من وصل خبر الرسالة الهم , محمود ؟ صديقه ألجاب الرسالة ؟ شلون عرفوا ما اعرف .


تقول زوجتي : ان منى عندها قناعة بان الذي اخبرهم هو محمود . محمود بعدها اخذ لا يقترب منها , ويتهرب دائما , وعندما تحدثه لا ينظر إليها مباشرتا , وعندما سألته وهم في صحن شاه عبد العظيم , لزم الشباك واقسم بأنه لم يخبرهم.

وشاه عبد العظيم اخو الرضا ثامن ألائمة عن الشيعة ألاثني عشرية مدفون في منطقة شهري ري التي تعد اليوم احد ضواحي طهران وهي مجاورة لدولة آباد .


سالت منى : وماذا يعمل محمود في إيران ؟

منى : بالبداية اشتغل بمؤسسة آية الله كَولبيكَاني يطبع كتب , بعدها دخل بالمجلس الأعلى واشتغل بمكتبهم سايق .


سألني حسن ونحن في السيارة : سرمد ما عرفته ؟

أجبته وقد انتبهت الى ان حسن انسجم معه كثيرا , وذهبا سويه لبعض الوقت خارج البيت : لا ما أتذكره .

حسن : الأسبوع الماضي بالأهواز , بيا مطعم أتعشينه ؟

تذكرت : مطعم الجوادين , وصاحبه ما قبل يأخذ فلوس من خالك .

حسن : هو سرمد بالمطعم يشتغل .

زوجتي : بعد التسفير استقرينا بالأهواز , لان أبويه وأبو صلاح الله يرحمهم ما يعرفون بس عربي , والفارسي صعبه عليهم يتعلموه . أبويه فتح محل فيترجيه سماه بغداد , وأبو صلاح فتح هذا المطعم بنفس اسم مطعمه بالكاظم , وأبو المطعم حاليا ابنه صلاح وسرمد يشتغل عند خاله .

سألتها باستغراب : معقولة ؟! رجال شايب كل شعره ابيض ؟!

زوجتي : بالضبط , هو هذا صلاح .